لغز محير، تلك النظرة للمرأة العربية، والخليجية بصفة خاصة، فلم يعد للعقل البشري من سلطة قياسية تقدر جُل أمور المرأه! لما نراه من دعوات ومؤتمرات وندوات واستراتيجيات، وحمى تجتاح الجسد الثقافي العربي بأكمله، عن تمكين المرأة من قيادة ذاتها وبالتالي مجتمعها، ثم الحصول على احترام الرجل بالدرجة الأولى لها. كونها الضلع الموازي في استقامة هذه الحياة.

والحقيقة أننا لو قمنا بمسح شامل أو حتى عشوائي لما يبذله المجتمع المدني والإعلام والمؤسسات والدول أيضا في محاولة النهوض بهذا الجانب من المجتمع فسنجد وجهين مختلفين بين المطالبة والترحيب من الجانب المؤسساتي، والاستهانة والجمود من جانب الرجل ذاته. وقد أجد نفسي مخطئة حينما أتناول مصطلح النهوض، لأن النهوض لا يطلق إلا على القعيد وعديم الحركة ولم تكن المرأة العربية قعيدة أو خاملة بأي حال من الأحول. سواء في الماضي أو في الحاضر. ففي ماضيها كان لها شأن عظيم حيث كان الرجل في قريش قبل الإسلام حينما يريد أن يمتدح فلا يخاطب إلا إمرأة، وكانت الشريفة بينة والعاهرة بينة فكان هذا التمايز يحمي كرامتها، كما أنني قد توصلت إلى نتيجة مبهرة، في ثنايا إحدى الدراسات وهي: أن المرأة هي من عمل على ذلك النسيج العرضي بين جميع القبائل عن طريق التصاهر والنسب والسلالات، فانتفى في هذه الدراسة ما كان يوصمنا به الغرب من العصبية والتعصب، وقد ثبت نسف هذه المقولة لما تفرضه رابطة الدم والنسب، وقد كانت المرأة العربية تشعل حروبا وتطفئها، كما ورد في كتاب الرحيق المختوم، في الوقت ذاته كانت أوروبا تعقد اجتماعات ونقاشات في البحث إن كانت المرأة إنساًنا أم لا، فصدرت النتيجة أخيراً أن الكنيسة أصدرت قرارها وأعلنت بأغلبية صوت واحد فقط أن المرأة إنسان لكنها خُلِقَت لخدمة الرجل فحسب. في حين أن القبيلة تحمل اسم امرأة لدى العرب, وقد كرمها الإسلام, وقد افترى بعض الباحثين الغربيين عليها واعتبروا وأد البنات في الجاهلية خوفا من العار والفضيحة، بينما ثبت لي في دراستي تلك أن العرب وأدوا البنات خوفا من الفاقة، فيتركون الولد لأنه سيكون عوناً لهم في الحرب والثأر "العزوة"، وبذلك تأصل مفهوم العزوة في الولد والعار بالمرأة وبالتالي التصقت تلك النظرة قسرا بالمرأة.

لماذا ينظر الرجل للمرأة من منظور النصف التحتي؟ وخاصة في مجتمعنا! المرأة ليست جسدا يتحرك ليثير الشهوات، فكيف نخلص نساءنا من هذه النظرة المتجذرة في وجدان معظم الرجال؟ فإذا ما تابعنا كل الدعوات من مؤتمرات وندوات وحقوق مدنية ودولية ومحلية ومؤسساتية نجدها جميعها تؤمن بكرامة المرأة ورفعتها وعقلها الراجح وقدرتها على اتخاذ القرار وكثير من السمات التي تفخر بها نساؤنا، إلا أننا نجد على المحور الآخر الرجل الشغوف بالنظر إلى النساء نظرة شهوانية دونية قميئة، فهل هذا إرث قبلي؟! كان الرجال يحترمون ذكر المرأة لأنهم عرب يفهمون قيمة الشرف ويثمنون العرض، كالأرض تماما، يقول" وتسينجر" ذلك الرحالة الإنجليزي الذي جاب الجزيرة العربية شرقها وغربها منذ 120 عاما ونيف في كتابه (فوق الرمال العربية): "تطرق الحديث إلى الغزوات في الصحراء ومنها إلى موضوعات أخرى كالسحر والختان والأعراس إلا أنهم لم يتحدثوا أبداً عن الجنس أو عن المرأة". ثم يقول في موضع آخر: "إذا تكلم البدوي عن النساء كان كلامه حيوياً وصريحاً، ولكنه غير بذيء". هكذا كان آباؤنا وهكذا كانت أخلاقهم، أما في عصرنا الحالي وهو عصر التنوير والنهضة والعلم وحرية الرأي وغير ذلك مما يطلقه عناننا من تقدم؛ نجد أن مجالس الرجال لا تضج إلا بكلام عن النساء، وإن رحمهن الله من الألسنة لاحقتهن النظرات في الطرقات، فلا يرى فيها إلا ما يثير الشهوة! وتذهب الأموال المبذولة في الإعلام والمؤتمرات والمنتديات إلخ.. أدراج الرياح.

ومما أثار عجبي ذلك البحث النقدي الهام عن الجنس في الروايات المكتوبة بأقلام نسائية، وكيف أن الكاتبة إذا أرادت أن تنشر روايتها فلا بد أن تحشو جنباتها بالإيحاءات الجنسية! ليس من منظور رمزي سلطوي يحتمه المعيار النقدي، وإنما لتسييل لعاب القراء، وبذلك يستدر الناشرون أقلام النساء.

لماذا نخلق الذريعة للمجال الإعلامي العالمي وغيره. فقد شاركت في مؤتمر دولي في جامعة الدول العربية ممثلة للمملكة وكان بمناسبة إطلاق نتائج "اليونيفيم" لنتائج الأبحاث عن صورة المرأة العربية في "الإعلام" وكانت النتائج مذهلة ومنها أنها "أكولة شرهة، جنسية، بدينة"، وغير ذلك من الصور القميئة التي يصِّدرها إعلامنا عنها، ومن يتولاه بطبيعة الحال في أغلب الأحيان من الرجال! وبهذا أصبحت المرأة مدادا للأقلام البحثية العربية والغربية، وبالمعنى الشعبي (أكل عيشهم) على أنها مقصاة مضطهدة، وهذا من وجهة نظرنا مجاف لكل الحقائق، فلم يقصها شعب بعينه، ولم تُستبعد عن ميادين العمل، ولم تضطهد كما يقولون، لأن المؤسسات تبذل كل ما في وسعها لاحتواء المرأة وتفعيلها في الآونة الأخيرة، إلا أن المشكلة ذاتها تكمن فيما تراه هذه الأقلام وهذه الصور التي وصلت إلى مسمى العبودية والاستلاب في بعض الآراء، وهو رأي مجحف قد تفرح بعض النساء و"تطبل وتزمر" له، إلا أن ذلك في نهاية الأمر يسيء إلى شخصية المرأة وتاريخها الذي يجب أن تدافع عنه. فالمشكلة في صميم جذرها هي نظرة الرجل للمرأة حتى وإن كانت عالمة أو داعية، أو تتبوأ أرقى المناصب، فلا تسلم من النظرة التحتية لعيون تتفحصها مما يهدر كرامتها كإنسان حر لا يسمح باختراق الأعين والألسنة، الأمر برمته يرجع إلى الضمير ومحاسبة النفس أولا.