يُعرف المفكر المصري الراحل زكي نجيب محمود المثقف بقوله: (هو رجل بضاعته أفكار يريد بها أن يغير وجه الحياة إلى ما هو أفضل). ويذكر أمثلة لمثقفين ساهموا في تغيير ملامح الحياة.. مثقفون آمنوا بأن الفكرة قادرة على إحداث تغيير حقيقي، كدميقراطس الذي قال (إنه يفضل أن يظفر بفكرة تتقدم بها الحياة على أن يظفر بملك فارس)، وكالجاحظ الذي أحدث انقلاباً في موازين الثقافة العربية فعبر بها من وجدان الشاعر إلى عقل الناثر، وأبي حيان التوحيدي الذي خطا على خطاه. وإخوان الصفا في القرن العاشر الذين بدلوا وجهة النظر العربية وقربوها إلى العلمية الموسوعية، ومثقفي التنوير في فرنسا إبان القرن الثامن عشر.

والواقع يقول إن غالبية البشر تولد في مجتمعات لها أنساق ثقافية واجتماعية وحضارية محددة، وهم غالباً ما يتشربون ثقافتهم، ثم يصعب عليهم الخروج من أسر تلك الثقافة، ويفشلون في أن ينظروا لها نظرة الناقد والمتفحص، القادر على غربلة الأفكار. فتصبح تلك الأفكار جزءا من كيانهم ومكونهم الداخلي يصعب عليهم فصل ذاتهم عنه، وعملية الفصل هذه تعني بالنسبة لهم عقوقا للذات!

يعرف الدكتور علي الوردي المثقف بأنه القادر – بالمعرفة- على الخروج من قيوده الثقافية والاجتماعية والحضارية إلى التعددية وتقبل الرأي الآخر. وهو يفرق ما بين المتعلم والمثقف بأن للمثقف دائما القدرة على كسر أطر التعصب والتحيز والحقائق المطلقة والأفكار النمطية، بينما لا يستطيع المتعلم الانفلات من التعصب والتحيز ويبقى رهينا للأحادية.

يقول إدوارد سعيد أيضا :(إن إحدى مهام المثقف هي بذل الجهد لتهشيم الآراء المقولبة والمقولات التصغيرية التي تحد كثيرا من الفكر الإنساني والاتصال الفكري)، ولا يكون ذلك ممكنا بالطبع إلا بالتخلي عن التعصب والتحيز وشخصنة الأفكار وتقديس الأشخاص!

فعل ثقف في اللغة هو هذب وصقل وشذب أي أنها عملية لا تنتهي، ولكي يتمكن المثقف من التحرر يتحتم عليه أن يكون متمرداً على السائد، يتحرق شوقاً وقلقاً إلى الحقيقة، لا يركن إلى فكرة ما ولا يطمئن إلى مصداقيتها الطمأنينة التامة. فالمثقف الحر يكون دائماً غير منتم لا تعميه الأدلجة أو القولبة، لا يقدس الفكرة ويتجاهل الإنسان الذي وجدت الفكرة لتخدمه. وهو يمشي في طريقه غير هياب ولا وجل، يمسك في يد بمعول هدم وفي الأخرى بطوبة بنيان، ويكسر القوالب النمطية ليستحدث أفكارا جديدة تقفز به وبالحياة من حوله للأفضل. والمثقف مهموم بما يشغل الناس، ينخرط في معاناتهم محاولاً أن يجد ويخلق لها الحلول، متأملا فيما حوله من ظواهر محاولا تشريحها وتحليلها للوصول إلى الداء ثم الاعتراف به!

تبديل الواقع السيئ يحتاج إلى الاعتراف بشجاعة بالحقائق، وإلى نقد أوضاعنا صراحة وبدون أي محاولة للإخفاء أو التعتيم. ولقد قال الكاتب الروسي انطون تشيكوف يوماً :(لقد أردت فحسب أن أقول للناس بصدق وصراحة: انظروا كيف تحيون حياة سيئة مملة. فأهم شيء أن يفهم الناس ذلك، وعندما يفهمون سيشيدون حتماً حياة أخرى أفضل.. حياة مختلفة تماما لا تشبه هذه الحياة، وحتماً لن أكون شاهداً عليها).