بين السخط على المستشرقين وبين التقدير للمجهود العلمي الذي قاموا به، يقف الراصد حائراً وملتبساً وغير قادر على إعطاء توصيف محدد انطلاقاً من اعتبارات غير متجانسة وقابعة ومتجذرة في الذهنية عند قراءة واقع الحال. فالاستشراق ليس نقياً عند البعض منا حين أوغل في مغالطاته واستعلائه، ونبش المطمور في تاريخنا ومعتقداتنا ولغات شعوبنا، واستصغر جوهر حضارتنا وأواصر هويتنا. والبعض يرى أن الاستشراق التزم بأدوات معيارية منهجية وحيادية قادرة على تقويم اعوجاج الواقع الشرقي، وتبيان علة تأخره، وعدم قدرته على التكيف مع مد التطور، رغم حيوية الحضارات الشرقية القديمة. يقول باحث عربي: "لا بد من تقدير جهد المستشرقين الذين قضوا سنوات طويلة في البحث والتنقيب عن مخطوطات كان يمكن أن تبقى مهملة. ولذا يبدو الاستشراق من أكثر المصطلحات العصية على التحديد، لأنه يرتبط باختلاف رواده المتعددي الأهداف من حيث الموقف تجاه الشرق وقضاياه. وفي كل الأحوال يبقى الصراع سائداً وقائماً بين من يدافع عن الاستشراق بكليته ومن يرفضه برمته. إن الأجواء السياسية المشحونة ضد الغرب لم تسمح بتقييم النتاج الفكري للاستشراق بطريقة علمية"، ولذا فقد عقد في باريس صيف 1973م. مؤتمر، واختار تسمية جديدة له وهي (المؤتمر الدولي للعلوم الإنسانية في آسيا وأفريقيا الشمالية)، لأن كلمة استشراق تعني شيئاً مهيناً للشرقيين، لأنها تظهرهم بمثابة مواد للدراسة أكثر مما هم فاعلون ومساهمون في الحضارة. يقول الدكتور قاسم السامرائي: "لم يكن المستشرقون من صنف الملائكة، فلكل منهم اعتقاده العرقي والديني أو السياسي أو الإنساني، أو أن منهم من يخلو من كل هذا، فمنهم القسيس والمبشر والملحد والرأسمالي والشيوعي والاشتراكي الذي يرى أن أحسن ما في الإسلام سماحه بتعدد الزوجات وأسوأ ما فيه الإيمان بالوحدانية وتساوي البشر في الطبقات. ومنهم من يكره اليهود فبذل جهده في الدفاع عن العرب، ولكن على ألا يهاجروا إلى بلده. لقد أحسن الاستشراق بضروبه المختلفة المقاصد والأهواء للعرب والمسلمين حين نبههم إلى أصالة تراثهم. وطرق دراسته وتناوله". وعلى الضفة الأخرى يطلق حسن حنفي دعوته لمحاكاة الوعي العمومي للمجتمع الغربي بنظريته (علم الاستغراب) والتي قوبلت عند البعض بالرفض، نظراً لروحيتنا المتجوهرة، وماديتهم المكتسبة عبر تاريخ من التحولات. فمشروعه يعمد إلى إيقاظ (الأنا) من غفوتها وكبوتها الطويلة والدفاع عن كينونة وجودها وصيانة هويتها وإنعاش تراثها ودعم خصوصيتها، كرد على علم الاستشراق ومناهجه.