مع اعتماد اليونيسكو 18 ديسمبر، يوما عالميا للغة العربية، تثار أسئلة شاهقة عن كيف يمكن للناطقين بالعربية أن يستغلوا هذا الاعتراف في تقديم لغتهم للآخر، وتعريفهم بها.
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود الدكتور صالح زياد يرى أن المعنى الذي يتضمنه هذا الاعتراف هو الحضور الدولي للعربية والتقدير الثقافي لها، ويقول لـ "الوطن": "اعتماد اليوم من جهتنا نحن أبناء العربية يلقي علينا أسئلة جوهرية عما تعانيه لغتنا اليوم في عصر العولمة وثورة الاتصالات، فالعالم العربي يعكس ضعف إنتاجه الاقتصادي والمعرفي والثقافي على لغته، فقوة اللغات العالمية وانتشارها في العالم لم تأت من فراغ بل نتيجة طبيعية لقوة المجتمعات الناطقة بها، فبريطانيا العظمى جعلت الإنجليزية لغة عالمية وتعززت صفة الإنجليزية هذه بصعود الولايات المتحدة الأمريكية على ساحة النفوذ والقوة الاقتصادية والعسكرية منذ الحرب العالمية الثانية.
عن استثمار هذا اليوم يوضح زياد مضيفا : نشر اللغة والاهتمام بها ليس أمراً سهلاً، فلو اجتمع العرب كلهم وتواصوا بمثل هذه المهمة لما تغير شيء، فانتشار اللغة وأهميتها هو نتيجة طبيعية لأهمية المجتمع الناطق بها وقوته التي يتم قياسها بمقدار ناتجه الاقتصادي والعلمي والفني والثقافي، بالإضافة إلى قدراته العسكرية وقدرته على صنع القرار العالمي، وما نلحظه الآن من تصاعد الاهتمام بالإنجليزية –مثلاً- هو استجابة طبيعية لطلب الشركات والمؤسسات موظفين وعمالاً ملمين بها. فالإنجليزية لغة السياحة والفندقة والسفر والصناعة والعلم والإعلان التجاري، لكنني أعتقد أن هذا اليوم فرصة للثقافة العربية وللمؤسسات المعنية بالعربية لتدارس وضعها وبث وعي في المجتمعات العربية يدعوها إلى بناء حاضرها، فالتغني فقط بأمجاد الماضي لا يخدم اللغة ولا يصنع فعلاً ثقافياً له أهميته في العالم المعاصر.
وعن غياب اللغة العربية في الأوساط والمجتمعات العربية يقول زياد "أعتقد أن علينا أن نندهش من قدرة العربية على الحضور وامتلاكها مفتاح التواصل بين الشعوب العربية على الرغم من أنها لا تعتمد في حضورها هذا على محفزات مادية أو سلطة قوة، وهذا يعود إلى صلتها بالقرآن الكريم الذي تأتلف عليه القلوب تلاوة وتدبراً وتفسيراً واكتشافاً لبلاغته، ليس هناك عدم اهتمام أبناء العربية بلغتهم، لكن حضور اللغة عالمياً لا تؤثر فيه الأماني والرغبات ولا تصنعه الإيديولوجيا".
من جانبه يؤكد الباحث والقاص صالح السهيمي أن هذه المناسبة تأتي كالمناسبات الأخرى تدخل بفعاليات وتنتهي كما دخلت، بحيث يكون أثرها لأيام معدودة، وقال "هنا لا أبدو متشائما بقدر ما أسجل واقعا، لمسته في أكثر من مناسبة وتتبعته في أكثر من قطر عربي؛ حيث الاهتمام بالشكل دون المضمون، وتقدم المشاركة من أجل التمثيل والحضور؛ دون البحث عن استمرارية لهذا الفعل الذي تحتمه الحضارة العربية وتُمْليه ثقافتنا أمام شعوب العالم، إذا ما تأملنا حال العربية الآن بتخصيص يوم سنوي احتفاء باللغة العربية، لوجدنا أننا جزء من هذا العالَم، ينتمي إليه شكليا ولا يؤثر في الثقافات الأخرى، الانتماء الحقيقي انتماء تأثر وتأثير على مستويات عدة، هذه اللغة التي نعدها في عالمنا العربي لغتنا الأم واللغة الخالدة بخلود القرآن باتت محاطة بالكثير من المعوقات المحلية والعربية والعالمية؛ كتسرّب الطلاب من أقسام اللغة العربية في الجامعات السعودية أو اتخاذ هذا القسم من أجل العبور إلى أقسام أخرى.
مشاريع بلا طائل
ويؤكد عميد معهد اللغة العربية بجامعة الملك عبدالعزيز الدكتور سعيد بن مسفر المالكي أن على الناطق باللغة العربية مهمة كبيرة، في الاعتزاز بلغته، فبدونها تتلاشى هويتنا، ولن يكون لنا تقدير ذاتي، وقال "هذا الاهتمام أول خطوة يمكن أن نقدمها للغة لكي نخطو لخطوات أخرى"، مشيرا إلى أن هناك طرقا يمكن من خلالها استثمار هذا اليوم في نشر اللغة العربية وذلك من خلال تدريسها ومعرفة علاماتها. ويوضح المالكي أن للسعودية حضورا قويا في هذا الجانب، وذلك من خلال الجوائز التي تقدمها، مثل جائزة الملك فيصل، وجائزة الملك عبدالله للترجمة من وإلى العربية، إضافة إلى مشروع مركز الملك عبدالله لخدمة اللغة العربية. وعن قصور المجتمعات في استخدام اللغة والتعاطي معها يرى المالكي أن القصور في الفرد نفسه، فلا بد أن يرتفع الوعي في ضمير الأمة، ولا بد أن نقدر ذواتنا وهذه اللغة، فإذا لم يرتفع الوعي، فإن كل المشاريع التي ستقدم ستكون بلا طائل.
وعن طرق نشر اللغة العربية يوضح صالح زياد: بأنه كون العربية لغة القرآن فإن هذا من أقوى الحوافز لتعلمها لدى المسلمين، وهناك معاهد ومدارس لتعليم العربية في المملكة وفي العالم، والمملكة أكثر الدول العربية إسهاماً في إنشاء مدارس العربية ومعاهدها في داخل المملكة وخارجها والإنفاق السخي عليها، وليس مركز الملك عبد الله الدولي لخدمة اللغة العربية، بما يمثله من فعل على مساحة العالم، إلا أنموذجاً حقيقياً لحب العربية والسعي إلى خدمتها ونشرها. في حين يؤكد صالح السهيمي على أننا بأمس الحاجة إلى ترغيب الطلاب في لغتنا العربية عبر مؤسساتنا التعليمية والتشجيع على فكرة الأندية الطلابية الأدبية، والتنوع الوظيفي المرتبط بهذه اللغة الجميلة، والدور الأكبر للإعلام في تعزيز هويتنا باللغة العربية والتركيز على التأثر والتأثير في الشعوب الأخرى لا الاندماج الذي يلغي هوية العربي ويجعله كالغراب الذي قلّد سير الحمامة، وقال "حتى لا نقول إن اللغة العربية اغتيلت في يوم عرسها ويومها العالمي؛ لا بد أن ننهض بالفكر المؤسساتي للتعامل مع هذا اليوم عبر الفعل الحقيقي الدائم والمستمر من خلال نشر الجمال والكنوز المخبأة في لغة القرآن الكريم والتراث العربي، نريد اللغة التي يجتمع عليها العرب قاطبة وتتوحد أعمالنا عبر مفرداتها وتنوعها وثرائها. وقال "إن بدأت بالتشاؤم فهذا لا يعني أني غير متفائل لما سيؤول إليه الفعل الحقيقي لحركة العناية باللغة العربية من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التويتر والفيس بوك، ومواقع الإنترنت التي تعنى بهذه اللغة الجميلة، حيث سجل العديد من المواقع إسهاما فاعلا في الحفاظ على اللغة كموقع (مجمع اللغة الافتراضي)، والفصيح، ولسان العرب وغيرها الكثير التي تؤسس لهذا التعزيز عبر التواصل المفتوح للمهتمين باللغة العربية.