فيلمنا هذا الأسبوع "Losing Isaiah" أو "فقدان آسياق"، وهو من الأفلام التي تكسب قيمة وجمالا مع مرور الوقت.. فيلم من النوع الذي يبقى في الذاكرة والقلب. في رواية "الأبله" لديستوفسكي يقول أحد أبطال الرواية: يجب أن تملك قلبا لتفهم. وفيلمنا اليوم موجه للقلوب. ليس بمعنى العاطفة المنفعلة الجياشة، بل بمعنى القلب الذي يساعد الإنسان في فهم عمق الحدث. القلب الذي يعتصر ويحرك كل الجوارح والقدرات للبحث عن الحقيقة. القلب الذي يوفر الرغبة في المعرفة والفهم. فيلمنا اليوم هو قصة طفل وأمّين.. قصة تمثل أحد جروح الحياة التي نعيشها. قصة بطلها طفل، استلم دور البطولة بدون أن يعلم ويختار. الفيلم من إخراج STEPHEN GYLLENHAAL وبطولةJessica Lange، و Halle Berry. ويمكن تصنيفه ضمن سياق الأفلام الإنسانية العميقة، أي الأفلام التي تشتغل على قيم إنسانية كبيرة لا بتقديم أعمال وعظية باردة، بل بتقديم حكاية الإنسان بأكبر قدر ممكن من الاقتراب والوضوح. الحياة مليئة بالحكايات والقصص، والفن الحقيقي هو الذي يستطيع أن يراها ويساعد الناس في رؤيتها. الفن بهذا المعنى هو لغة تواصل إنسانية عميقة تحمل في داخلها مشتركا بشريا عميقا. السينما هنا تشترك مع باقي الفنون الإنسانية.. تعمل في المساحة التي يشترك فيها البشر. ما تقوله الحكاية في مكان ما هو رسالة مفتوحة وقابلة للقراءة لتصبح جزءا من حكاية أخرى. هذه القضية من أعمق جماليات الفنون من حيث إنها مشاركة وانفتاح.

الفيلم يبدأ من أم مدمنة مخدرات ترمي ابنها في سلة القمامة لتبحث عن جرعة إضافية. وحين تعود إليه في الصباح تتفاجأ بأنه ليس في سلة القمامة، وأن إنسانا كان هنا اختفى إلى حيث لا تعلم. من الصدف الجميلة التي لولاها لانتهت القصة الآن وهنا أن هذا الطفل أخذ طريقه للمستشفى لتبدأ من هناك قصته مع أم جديدة. ولكن ماذا عن الأم الأصلية؟ أين تذهب أمومتها؟.. أنا من الناس الذين يعتقدون أن علاقة الأمومة هي علاقة استثنائية جدا. أعني أن علاقة الأم بولدها علاقة تختلف عن أي علاقة أخرى، بسبب أنها علاقة لا يمكن قطعها باختصار. يستطيع الإخوة أن يفترقوا ويقطعوا علاقتهم، بل حتى الأب وابنه، لكن الأم وأولادها حالة مختلفة تماما. يبدو أن علاقة الأمومة علاقة غير خاضعة لقانون الحياة الذي تحكمه الظروف والأحداث.. هي علاقة متعالية على كل هذا.

في فيلمنا اليوم نعثر على أمومة من هذا النوع. أمومة تبقى رغم كل الظروف حية وباحثة عن التحقق. في الفيلم أيضا إطلالة على عالم الطفل، وهي برأيي من أصعب الإطلالات، فالمخرج مع الطفل لا يعثر على ممثل بقدر ما يعثر على تجربة حقيقية عليه الاقتراب منها واقتناص لحظاتها الجميلة. الطفل لا يزال هو العالم البشري الذي نملك عنه معلومات محدودة. تقريبا في كل العلوم سواء علم نفس أو اجتماع أو تربية...إلخ، لا تزال الدراسات عن الأطفال هي الأكثر حداثة مقارنة بالدراسات عن البالغين. أيضا آداب الأطفال رغم اتساعها، خصوصا في الغرب، إلا أنها تبقى في درجات متدنية مقارنة بآداب البالغين.

في الفيلم أيضا إطلالة على علاقة القانون بقضايا الأمومة، وقدرته على الفصل فعلا فيمن هي الأم الحقيقية للطفل.. هل الأم هي من ولدت الطفل جسديا، أم الأم هي من قامت بتربيته ورعايته يوما بيوم بالحب والمشاعر؟.. هنا يحفّزنا الفيلم لإعادة التفكير في تعريف الأمومة من جديد. أيضا الفيلم يضعنا أمام أحد شروط حالة الطفل، وهي في الحقيقة عجزه عن اتخاذ أهم قرار في حياته، أو بالتحديد عجزنا عن فهم وتفسير رغبة هذا الطفل وتحديد ماذا يريد فعلا. الغالب أن نفكر بأن الطفل لا يعرف حقيقة ما يريد، وأننا يجب أن نتخذ قرارات حياته، وهو في المستقبل سيعرف حكمتنا من هذا القرار.. هذه الفكرة راسخة في التربية التقليدية، وربما أنها كذلك في القانون.

هذا الفيلم من الأفلام القادرة على بثّ روح المحبة والإنسانية لدى المشاهدين، لأنه باختصار يتحدث لغة يعرفها كل البشر. لا أعني هنا بالتأكيد اللغة الإنجليزية، ولكنني أعني اللغة التي تجمع الأم بطفلها. هذه اللغة تحيل إلى تجربة إنسانية مشتركة، إذا لم يكن الإنسان أُمّا فهو بالتأكيد كان طفلا في يوم من الأيام، ويعرف القرب من الأم أو البعد عنها. هذا المشترك الإنساني لا يعني أنه من السهولة الوصل للمشاهدين، لأن حساسية المشاهدين دقيقة جدا في مثل هذه المشاهد، ومن السهل جدا أن يقبضوا على ثغرات في العمل تجعل من الرسالة مشوّهة أو غريبة عليهم. المشاهد أيضا بمرجعيّة حسّاسة من الاستعمال المبتذل لمثل هذه العواطف المهمّة. ربما نقول إن المشاهد يبدأ مرتابا بأن المخرج سيضغط على مشاعره بهذه المشاهد الحسّاسة للوصل إلى تعاطف سريع وسطحي، ولذا فإن الوصول إلى فيلم ناجح يتطرّق لهذه القضايا هو أمر محفوف بالمخاطر.

لم يكن هذا الوصول للمشاهد، على الأقل الوصول لي أنا، ليتحقق لولا أدوات فنية عالية المستوى استطاع المخرج وطاقم العمل الإبداع فيها. النص كان قريبا من اللغة التي يمكن أن تستعملها الأم للتعبير عن علاقتها مع طفلها. اللغة الأعمق ربما هي لغة الجسد والمشاعر التي سعت الممثلتان بشكل مقنع للوصول من خلالها لذلك العمق في داخل كل أم تجد مسألة وجود طفلها بجانبها كل يوم مسألة محفوفة بالاحتمالات. الفيلم من الأفلام عالية المستوى الفني، وفي ذات الوقت ذات القيمة الإنسانية الملهمة. هذه المعادلة دقيقة جدا وقلة من الأفلام تستطيع تحقيقها، ولكنها حين تحقق فنحن إذن أمام عمل فني حقيقي بمعنى الكلمة.