لم أشعر في سفر قط أنني سائح حقيقي إلا عندما زرت أهرامات الجيزة ولما دخلت المتحف المصري ومتحف اللوفر وقصر فرساي، أو عندما صعدت سور الصين العظيم، أو في كيوتو وهيرو شيما في اليابان، وكذلك لما زرت السفاري المفتوحة في نيروبي، أو حتى لما زرت بعض مساجد إسطنبول، أو عندما دخلت إلى بعض الكنائس العتيقة.. هكذا ارتبطت السياحة في ذهني بالمعنى الجاد والمتبصر للآثار القديمة، كما هو حال السياح الأجانب، لكنها مرحلة مرت في حياتي، وقد زادت رصيدي المعرفي رغم مشقة هذا النوع من البرامج السياحية التي تقتضي في الغالب استيقاظاً مبكراً يبدأ مع شقشقة الطيور، ثم يليه الركوب في الحافلة مع حشد من السياح المتشوقين الذين يزحمون "الأتوبيس" بعدتهم التوثيقية التي تسجل كل دقائق الرحلة من كاميرات ومقربات وبطاريات وأفلام وغيرها. ومازلت أتذكر قبل عشرين عاماً حين تأخرت أنا وصديقي سليمان في النوم واستيقظنا باكراً في نيروبي للذهاب إلى السفاري، وكيف أن رؤوسنا أخذت تترنح من أثر النعاس في سيارة الجيب التي يصحبنا فيها عدد من الأجانب، وكان بينهم ياباني يهتم بأدق تفاصيل التصوير، حيث كان يلزم السائق بالوقوف لتصوير أحد الأسود الرابضة بأكثر من لقطة وبأكثر من زاوية وبأبعاد مختلفة رغم أن الأسد رابض لا يتحرك ولا يتغير وضعه، وكنت أنا وصديقي نتململ من هذا الوقوف المتكرر وهذه المبالغة في التصوير مع سطوة الحر وغلبة النعاس، ثم زاد تذمرنا أنا وصديقي لما مررنا بقبيلة من القرود وأخذ زميلنا الياباني يصور من أعلى وأسفل، وأيمن وأيسر، وأمام وخلف، فقام صديقي بزجره، مبرراً أن القرود ليست حالة حيوانية نادرة، مما دفع السائق للتعجل في الحركة.

ما جعلني أتداعى عن ذكريات السياحة الجادة هو عودتي لهذه الأجواء التي هجرتها منذ أعوام عديدة بعد أن صرت أخيراً أنحاز إلى الأماكن المتمدنة المعشوشبة خضرة واعتدالاً جوياً.

قبل شهر من الآن كنت في المدينة المنورة مدعواً لمحاضرة الأمير خالد بن سلطان عن الجوانب الإنسانية لوالده المغفور له الأمير سلطان بن عبدالعزيز، وقد كانت محاضرة وافية وشافية بما تخللها من ذكريات، وزادها ثراء المداخلات التي شارك بها من أتيح لهم التعليق على كثير من جوانب أمير العطاء والسخاء. ثم إنني لما كنت مصحوباً بزوجتي وبناتي فقد تفضل مدير الجامعة الإسلامية، الرجل الهمام الدكتور محمد العقلا وحبذ إليّ الذهاب من الغد إلى مدينة العلا ثم إلى مدائن صالح، وهو ما كان بالفعل، حيث تفضل معاليه علي وعلى عائلتي بترتيب كافة أمور الرحلة السياحية مصحوبا في سيارة تنهب الطريق بالأخ الكريم مساعد الصاعدي، ثم إننا لما وصلنا بعد أربع ساعات، هي المسافة من المدينة إلى العلا، ذهبنا إلى فندق "أراك" الذي يتسم بالنظافة والأناقة والبساطة على نحو يشبه "الموتيلات" التي تتواجد بين المدن في أوروبا وأميركا.. في صباح اليوم الثاني استيقظنا باكراً أنا وعائلتي، وبدأنا بعد تناول الفطور برنامجنا السياحي، وقد شعرت برعشة المتلهف وسياراتنا تخترق المناطق المختلفة طبوغرافياً، وكنت في كل حين ألتفت لأهلي وأقول هذه "مدائن صالح"، فيرد الصاعدي: حسبك لم نصل بعد، ولكن تضاريس المنطقة خلال الطريق تشبه بعضها الآخر، وتشبه ما ترسخ في ذهني من صور عن المدائن، لكننا واصلنا المسير في طريق إسفلتي ضيق جداً تمر به السيارات ذهاباً وإياباً، بما لا يسمح بالسرعة أو التجاوز، وقد وصلنا بعد 25 دقيقة إلى منطقة مسيجة ولها بوابة تجاوزناها، ثم وصلنا منطقة سكة حديد الحجاز، وهي محطة القطار الذي كان ينطلق من الأستانة (إسطنبول) حتى يصل إلى المدينة المنورة، ثم لما كانت الرغبة الدولية تستهدف قطع هذا الشريان الذي يربط الخلافة العثمانية بمواليها فقد اقتضت موجبات تلك المرحلة تفجير هذا الخط الحديدي.. وهكذا ثم تعطيل هذا القطار الذي يخترق غرب المملكة وشمالها مروراً بالشام فإسطنبول وصولاً إلى أوروبا، لكننا جميعاً ـ بعيداً عن همهمات النفوذ والسيطرة ـ نتطلع يوماً إلى عودة هذا القطار إلى سابق عهده.

وجدنا عند محطة القطار القديمة، التي تم تجديدها على نحو ظاهر وجيد، المرشد السياحي الأستاذ الهيثم بن سليمان أبو الحسن، وكان كما يظهر عاشقا لهذه المنطقة ومغرما بموجوداتها، سواء منطقة قطار الحجاز القديم أو منطقة آثار مدائن صالح، حيث رافقنا في كل جولاتنا، وكان كما بدا لنا على نحو متميز من المعرفة والمعلومة التي تستغرق في أدق التفاصيل لكل جزئية ظاهرة في إحدى المقابر أو المشاهد البارزة، وفي كل النتوءات وكل الدلالات التي تعبر عن أهل الثراء من قوم ثمود من علية القوم، أو من هم من سوقة الناس.. لقد ظهر لي أن التفاوت الطبقي ظاهرة في كل حال بين البشر في القديم الغابر وفي وقتنا العابر، وهذا يعكس حجم التنافس على نحو يبرر التباين بين البشر ويسبب الطبقية التي هي من لوازم الصراع الإنساني إلى قيام الساعة.

خلال جولتنا في هذه المناطق الموغلة في القدم لاحظت وجود كثير من الأجانب و"الخواجات"، كما هي عادتهم، على أنني وجدت بعض العوائل السعودية تتجول مثلنا.. والواقع أن المنطقة بقدر ما تتميز به من إثارة إلا أنها تفتقد البنية التحتية من الخدمات الأساسية كدورات المياه أو توفر المشروبات الباردة. وأزعم أن الهيئة العامة للسياحة والآثار معنية على الأقل بتوفير هذه المتطلبات، وهي مشكورة على العناية الظاهرة بالمكان من حيث رصف الطرق وتهيئتها..أمضينا في المنطقة قرابة الساعات الثلاث.. تجولنا خلالها وتعلمنا وأخذنا العبرة والعظة، والتقطنا الصور الحية، إضافة إلى ما اختزنته ذاكرتنا جميعاً من مشاهدات. ولمست حجم المتعة في عيون أفراد أسرتي وهم يشعرون بأجواء السياحة، لكن هذه المرة داخل بلادهم. لقد أعادتني زيارتنا لمدائن صالح وسكة حديد الحجاز وجبل الفيل لأيام مضت كنت خلالها سائحاً جاداً وجيداً.. فشكراً أولاً لمعالي مدير الجامعة الإسلامية وصاحب الفضل في هذه الزيارة، ثم شكراً لرفيق رحلتنا الأخ مساعد الصاعدي، والشكر مستمر لدليلنا السياحي الهيثم أبو الحسن على غزارة معلوماته التي صبها في عقولنا الكبيرة والصغيرة.