كنت في مركز إسلامي في مدينة كاردف عاصمة مقاطعة ويلز ببريطانيا في إحدى مراحل الدراسة هناك، وكنا في مناسبة فطور جماعي في رمضان، وجلس بجانبي شخص تظهر عليه علامات الالتزام الشديد، حيث العمامة والثوب القصير إلى نصف الساق، وأخذنا نتحدث ولاحظت لكنة في لسانه وتبين لي أنه ليس عربيا، وبعد الحديث ذكر لي أنه ألماني ولكنه تعلم العربية في اليمن!

لفت انتباهي ذهابه إلى اليمن ليتعلم العربية! وبالرغم من عراقة اليمن وكونه المصدر التاريخي للعربية أصلا إلا أنني تعجبت كيف أن رجلا ألمانيا "أشقر" يرحل للدراسة إلى بلد يعتبر من أكثر الدول ضعفا في التعليم والتطور!

سألته هذا السؤال ومباشرة أجابني بأن حلمه العيش في السعودية، مهد الإسلام والدراسة فيها، إلا أن الحصول على تأشيرة تعليم سعودية من أصعب ما يمكن، وأضاف أنه يسعى للحصول على جنسية إنجليزية "كونه متزوجا من سيدة إنجليزية" لأنه يعتقد أن دخول الإنجليز للسعودية أسهل من الألمان!

للأسف أن هذا الرجل تبدو عليه معالم التشدد والتكفير أيضا، وأعتقد أنه تأثر بالتأكيد من بعض الجماعات الفوضوية المتشددة التي تنتشر في الأماكن غير المستقرة في اليمن! ولكن السؤال هو:

لماذا لا نستثمر المزايا التي وهبنا الله إياها؟ قد أكرمنا الله بأن أصل الإسلام خرج من ديارنا، وكتابه ونبيه، عليه الصلاة والسلام، نطق بلساننا، فلماذا لا نستغل هذه الميزة التي ربما تزيد من مكانتنا العالمية والاقتصادية أيضا؟

فعندما نستثمر في هذا القطاع فإن منافستنا للآخرين بلا شك لدينا ميزة ليست لديهم، كما أن منافستنا في قطاع الكيماويات جيدة، كوننا نملك الثروة البترولية.

باعتقادي أن قطاع تعليم اللغة العربية والدراسات العربية والإسلامية عموما يمكن أن يجلب لنا مكاسب ضخمة لا يمكن أن تقدر بثمن، سواء منها المكاسب السياسية وحتى الاقتصادية. ولكن في نفس الوقت يجب أن ننتبه لنقطة في غاية الأهمية إذا أردنا لهذا الأمر النجاح؛ وهي أنه يجب عزل التعليم عن الأهداف السياسية والأيديولوجيات قدر الإمكان، وإلا فسنفقد حيادنا الذي قد يعطينا ميزة كبيرة. وفي نظري أن الاستهداف المباشر دليل ضعف الفكر والسياسة، وترك الآخرين ليختاروا آراءهم وقناعاتهم كما يشاؤون هو في النهاية سيكون لصالحنا، كوننا المدرسة التي أحسنت ورعت، ثم أيضا هذه الحرية تُنتج في النهاية قوة فكرية مرنة لم تأت بأسلوب الفرض والقوة، وإنما من خلال القناعات، كما أن هذا الأسلوب يؤدي حتماً إلى صياغة فكر محلي ليكون بذرة لفكر مؤهل ليقود دوليا - في العالم الإسلامي على الأقل -.

لا يمكن لي أن أخفي إعجابي بالطريقة البريطانية في التعليم والتعامل مع الطلبة الدوليين، حيث كنا نشعر بأننا أهل البلد ولا فرق، وحتى الأساتذة الجامعيون عموما متعمق في تفكيرهم ما يمكن تسميته بـ"الخطاب المُدوَّل"، حيث يتحدثون بطريقة مناسبة لأي شخص، سواء كان بريطانيا أو غيره، وهذا بلا شك ساعدهم في نشر ثقافتهم ومن ثم سياساتهم وشركاتهم وهكذا.

أعود وأقول لماذا لا يُشجع الاستثمار في نشاط تعليم اللغة والدراسات العربية والإسلامية للآخرين؟ ولماذا لا تعالج مشكلة التأشيرات الدراسية خصوصا لأولئك الطلاب الذين يأتون من دول ثرية كأوروبا وأميركا؟ وأذكر شابا إنجليزيا مسلما جلس ينتظر التأشيرة الدراسية في السعودية ربما سنة ونصف بعد أن تدخل لأجله الكثير بمن فيهم مدير تلك الجامعة شخصيا! وعندما نظرت لقائمة الممنوحين للدراسة تلك السنة فإذا بهم 10 أوروبيين فقط!

أقول هذا في الوقت الذي تعمل فيه إيران - على سبيل المثال - ليلا ونهارا في هذا الاتجاه، بالرغم من مكانة بلادنا الروحية لدى جميع المسلمين، بل وصل الأمر أن إيران تحاول الخروج من حدودها إلى دول أخرى لتكون منطلقا آخر لنشر الفكر الإيراني وسياستهم العدائية!

نعم، الحمد لله، لدى المملكة الكثير من المنارات العلمية المنتشرة في العالم، إلا أنني أتحدث عن الداخل الآن، وأؤكد على ضرورة التوسع حتى خارجيا، مع ترتيب لأوضاع تلك المؤسسات، وربما توعيتها في الجوانب السياسية والقانونية كي نتجنب الجوانب السلبية أيضا.

يندر أن تجد أحدا تعلم في المملكة من المفكرين والمثقفين الدوليين الذين يتحدثون العربية، بالرغم من أنها أصل منشأ العربية وعراقتها، كما أنها البلد الوحيد في العالم الذي لم تختلط لهجاته بلغات أخرى غير العربية، حيث لم يسبق له أن تم استعماره طوال فترة الاستعمار الحديث.

أخيرا؛ عندما يتمنى الآخرون أن يتعلموا لغتنا ومن ثمَّ ثقافتنا وديننا؛ فهل من الحكمة أن نُغلق الأبواب أمامهم ونتركهم ربما لعدوّنا؟