الافتراضات المسبقة بحق عامة الناس، التي ساقها خطيب الجمعة في أحد مساجد الرياض يوم الجمعة قبل الماضي، وحماسه للإشادة بأشخاص ذكرهم بحسب مهمتهم الرسمية، جعلتني أتمنى المقدرة على المقاطعة والرد، ليس اعتراضا على الإشادة بهؤلاء، فهم يستحقون ذلك لقاء القيام بمهمة أوكلت إليهم بشكل رسمي من قبل الدولة التي طلبت منهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجب ألا يلومهم أحد على القيام بعملهم، ولكن مداخلتي سوف تكون لدرء تهم كالجبال ساقها الخطيب بكل سهولة في حقنا نحن عامة الناس، وقد نكون من الرعاع الذين لا يعرفون مصلحة أنفسهم في نظره، فقد أخذه الحماس إلى افتراض أننا مجتمع لا نستطيع ضبط غرائزنا، ولا يمنعنا من ارتكاب المنكرات إلا الخوف من أشخاص ذكرهم وامتدحهم كثيرا، وخصوصا عندما أكد على أن وجودهم هو السبب في تحقق ما نحن فيه، وليته قال أحد الأسباب. وعلى افتراض أن الأشخاص الذين ذكرهم يستحقون ذلك، فإننا في المقابل لا نستحق التهم المبطنة بأننا عبيد لسوط التأديب من البشر الذين نخافهم أكثر من خوفنا من الله، ولا تردعنا ضمائرنا ولا أخلاقنا.. وأعتقد أن التهم موجهة للرجال والنساء دون تفريق.

على رسلك أيها الخطيب، فما بالك تصادر تمسكنا بديننا وإيماننا باحترام حقوق الآخرين وحرمة العرض والنفس والمال وحسن تربيتنا وتنشئتنا الاجتماعية التي تمنحنا رقيبا ذاتيا يلازمنا حتى بغياب من وصفتهم؟ فما بالك تصادر حق المرأة بافتخارها بعفتها التي تعلي مقامها وترفع قدرها، وتقوم بدلا من ذلك بتهميش ضمائرنا وتحولنا إلى فريسة لرذيلة الشك، وكأننا نعاني من موت الضمير، وأن سلوكنا السوي ولزوم النساء للعفة عندما يخرجن من منازلهن ما كان ليتحقق إلا خوفا من البشر وليس خوفا من رب البشر؟

الحكم المسبق على الموجودين في الأماكن المختلطة بسوء الظن وسوء النية، وأنهم تجب مراقبتهم والفصل بينهم وعدم تركهم وحدهم بدون مراقبة، هو أحد الافتراضات التي تعد ممارستها انتهاكا لحق الإنسان المسـلم. العقاب يجب أن يكون قاسيا وصارما ومطبقا بلا هوادة على المخالفين للشرع والآداب العامة، أما العقوبات الجماعية والتضييق على الناس ومراقبتهم ودعوى أن غياب الرقابة سوف ينتج عنه ارتكاب المحرمات وانتهاك الأعراض والاغتصاب وارتكاب المحرمات وغيرها من الجرائم التي ذكرها الخطيب، فهذا يعني أن الجميع متهم.. وهو أمر يصعب القبول به.

وختاما نسوق هذا العتاب الجميل الذي أبدع فيه الصحابي الجليل نصر بن حجاج ووجهه لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، الذي نفاه إلى البصرة عندما سمع امرأة تذكره بإعجاب في شعرها.

لعمري لئن سيرتني وحرمتني

وما نلت ذنباً إن ذاك حرامُ

وما نلتُ ذنباً غير ظنٍ ظننته

وفي بعض تصديق الظنون أثامُ

أإن غنت الدلفاء يوماً بمنيةٍ

فبعضُ أماني النساء غرامُ

ظننتَ بي الظن الذي لو أتيتهُ

لما كان لي في الصالحين مقامُ

ويمنعني مما تمنتْ حفيظتي

وآباءُ صدقٍ سالفون كرامُ

ويمنعها مما تمنتْ صلاتها

وفضل لها في قومها وصيامُ

إمامَ الهدى لا تبتلي الطرد مسلماً

له حرمة معروفة وزمامُ

فدمعت عينا عمر رضي الله عنه عندما سمع القصيدة.