استفزني صاحب المعالي في جلسة حميمية عند أحد الأصدقاء في الرياض بحضور نخبة مميزة من المثقفين والإعلاميين وبعض المسؤولين، عندما فتح موضوع عن حاجة بعض المدن لمشروعات أكثر، ومنها مدينة حفر الباطن، نظرا لكثافة سكانها وكبر مساحتها الجغرافية. فأتى الرد الصاعق من صاحب المعالي بكلمات تنتقص من ولاء أهلها للوطن.. انتهى النقاش حول هذه الجزئية بمجرد طرحها من ذلك المسؤول. وانتقل الحديث عن أمور أخرى.

لم أرغب في تعكير صفو مضيفنا بالرد فورا على تلك التهمة لمواطني مدينتي، الذين أعلم مدى ولائهم وحبهم لدينهم ووطنهم ولمليكهم، ولكنني وددت أن أرد عليه هنا لتصل الرسالة إلى كل من يشكك في ولاءات الناس دون حجة أو دليل قاطع، فمسألة التخوين والتشكيك مرفوضة تماما.

عندما تصدر مثل هذه التهم من شخص جاهل فأنت تعذره تماما، أما لو صدرت من مثقف أو مسؤول أو رجل دين فتلك مصيبة! فأين ذهب علمه؟ وأين ذهبت قيمه الدينية؟ وأين حس المسؤول الوطني الحريص على وحدة أبناء وطنه؟

أعتقد أن الكثيرين من أبناء وطني يدينون بالفضل بعد الله، للملك عبدالعزيز مؤسس هذه الدولة، حيث استطاع لم شمل هذه البلاد وتوحيدها تحت راية التوحيد، ونعمت البلاد في حكمه بالأمن والعلم والمعرفة، وانتقلت بلادنا من مرحلة التخلف والجهل إلى مرحلة النور، وهكذا سار أبناؤه الملوك إلى يومنا هذا في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ولكن في حقيقة الأمر هناك فئة من مسؤولينا ما زالوا ينظرون إلى مدن الأطراف نظرة الريبة والشك مع مرور كل تلك السنوات الطويلة، بمعنى أنهم لم يفهموا رسالة المؤسس حتى الآن. ولم يستطيعوا التخلص من تعصبهم الإقليمي الذي بات يفوق التعصب القبلي والرياضي والطائفي معا.

وعلى سبيل المثال الكل يذكر الكلمات الجارحة والحارقة التي صدرت من البروفيسور طارق الحبيب، التي اتهم فيها أهل الشمال والجنوب أن بعضا منهم له ولاء للدول الأخرى أكثر من وطنهم، حيث بادر بالاعتذار بعد تلك الضجة الكبيرة والردود الغاضبة من أهالينا في الشمال والجنوب.. فهل نحتاج بين فترة وأخرى لمن يخرج ويشكك في ولاء وانتماء أي جزء في وطننا؟

موضوع الوطن والوطنية طرح وأشبع نقاشا في جلسات الحوار الوطني، وصدرت عنه عدة توصيات هامة جدا في ذلك الخصوص، وكان أغلبها يؤكد تماما على رسالة خادم الحرمين التي تدعو إلى الحوار ورفض الإقصاء وقبول الرأي الآخر والتعايش السلمي بين المذاهب والأعراق وكل التيارات الفكرية. والسؤال هنا: أليس من الضروري ترجمة تلك التوصيات إلى مشروعات تنموية وفكرية ينعم بها كل أبناء الوطن دون تشكيك وانتقاص من أحد لتحقيق حياة كريمة كفلتها شريعة الإسلام لكل مواطن فوق تراب وطني؟

أقول لصاحب المعالي إن حفر الباطن مدينة سعودية 100% ، وسكانها أصيلون وأصليون، جذورهم ضاربة في عمق تاريخ وجغرافيا هذا البلد. وحفر الباطن كباقي المدن لها حقوق وعليها واجبات، وأبناؤها قدموا الغالي والنفيس خلال حرب الخليج عام 1990 وما زالوا الدرع الحصين في قطاعنا الشمالي الشرقي، وليسوا بحاجة لمن يزيد من أحزانهم، فهم بحاجة ماسة إلى كل الخدمات والمرافق في كل مجالات الحياة.. فهل من مجيب؟