ما أقسى جرح الذاكرة حين يكون مشبعا بالأسى والحزن والنكران، وهذا ما شعرت به وأنا أقرأ تصريح الممثل القدير عبدالعزيز الهزاع وغضبه المكظوم لصحيفة الرياض، حين عمدت هيئة الإذاعة والتلفزيون بخفض قيمة مكافأته إلى النصف، في إجراء لم يكن يتوقعه بعد أن قضى داخل أستوديوهات الإذاعة نصف قرن، يجسد قضايا المجتمع ضمن رؤية وخطاب تفاعلي مؤثر، ومن خلال أداء متفرد وجاذبية اجتماعية ومعمار حكائي درامي، قد يقول قائل إن الزمن قد تجاوزه، والمرحلة لم تعد تحتفل بذلك النمط المنمذج والأفكار القصدية والوعظية والبدائية، وليتهم يعلمون أن هذه الشخصية كانت هي المسلسل والمستشار وطبيب كثير من الأدواء الاجتماعية، والمدون لتفاصيل اليومي والمعاش من حياة الناس الشعبية، والباحث عن الابتسامة من خلال منتوجه والذي جاوز سبعة آلاف حلقة من المسلسلات الإذاعية "يوميات أم حديجان، وسع صدرك، المسامح كريم، العاقل خصيم نفسه، طريق المحبة" وعشرات المونولوجات، والمسلسل الكرتوني ثلاثي الأبعاد ومسرح العرائس، في هذا العام يكمل عبدالعزيز الهزاع خمسين عاما على بداية تعامله مع الإذاعة السعودية، رغم أنه قد بدأ قبل ذلك في إذاعة الكويت والإذاعة المصرية والإذاعة العراقية بدعوة من ملك العراق الملك فيصل وخاله الأمير عبدالإله، ويروي الهزاع أنه بعد عودته من بغداد بأسبوع، قامت الثورة العراقية وقتل فيها الملك وخاله، وحينما ذهب للسلام على الملك سعود رحمه الله قال له الملك ممازحا: يبدو أنك نذير شؤم على العراق! فقال الهزاع: ما رأي جلالتكم تبعثوني لإسرائيل لعل شؤمي يصيبهم، فضحك جلالته والحاضرون في مجلسه، ويقول الهزاع: "إنني أدرك بأن ما أقوم به هو رسالة اجتماعية وإنسانية، مثلما هي الرسالة التي تبثها رواية في داخلك، أو فيلم أو مسلسل تلفزيوني، فموضوعاتي تتناول الأسرة ومشاكل المجتمع من بطالة وفقر وعنوسة والأفعال المشينة من حقد وكراهية وخداع واستغلال، وقد بارك موهبتي الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله، والشيخ عبدالله المنيع، والشيخ عبدالله المطلق". حياة عبدالعزيز الهزاع وطفولته تشكل ملحمة من العذاب والقسوة واليتم والمرارة، كما رواها في "أصوات صائد الضحكات"، تلك السلسلة العذبة للرواد، والتي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام، فلا تجعلوا شيخوخته والتي تلامس وتقرع أبواب الثمانين، تكون كطفولته البائسة، ولذا أهيب بالصديق "الإنسان" معالي الأستاذ عبدالرحمن الهزاع رئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون، الالتفات لهذا الرمز والسعي لإطفاء عتبه الصارخ، فما هكذا نكرم هؤلاء الرواد في مشهدنا الحياتي، ونجعلهم فريسة لليأس والخذلان.