طبيعة الثقافة الحدية التي تربى عليها الكثير من الأجيال العربية، التي لا تعترف إلا بمبدأ (يا أبيض يا أسود)، حولت بعض المسميات والمصطلحات التي نتعامل معها يوميا إلى خطوط حمراء، ألبست في نهاية الجدل حولها حللا من القداسة، وهي مجرد وسيلة حياتية بسيطة يمكن أن تستخدم للخير أو الشر، تبعا لمن يقوم عليها. فمثلا الجميع يقرأ ويسمع وربما يشاهد "الملاكمة" الدائمة منذ سنوات بين عدة تيارات فكرية في مجتمعنا حول المراكز الصيفية التي تقيمها إدارات التعليم في المملكة تحت إشراف وزارة التربية والتعليم، فغالبية الطرف المنتقد يحاول نسفها جذريا ويكرر مطالبته بإغلاقها نهائيا، بحجة أنها قد تكون "مفرخة للأفكار المتطرفة التي تؤدي إلى الإرهاب" والكثير من المنافحين عنها يستميتون في الدفاع عنها لدرجة منحها درجات عليا من الطهر والنقاء الذي لا تشوبه شائبة، بل تطور الأمر في "حوار المراكز الصيفية" إلى اتهامات متبادلة بـ"العمالة ومحاولة تقويض وحدة البلاد".
وبالتالي أصبح المجتمع الذي "يتفرج" على المعركة في حيرة من أمره، فمن يصدق، هذا أم ذاك؟
لكن الأكيد أن الإجابة الحقيقية موجودة في أدراج وزارة التربية والتعليم، وبالتالي بدأت خطوات فعلية في "محاولة" إعادة تنظيم الإشراف على هذه المراكز ولم تغلقها نهائيا، لتلافي ولو بعض السلبيات التي لا يخلو منها أي عمل بشري وتعزيز الإيجابيات. شخصيا لست مع منع أي نشاط يجذب أعدادا كبيرة من الشباب والشابات ويبعدهم عن التسكع في الشوارع والأسواق، سواء كان مركزا صيفيا أو غيره. فمثل هذه التجمعات فرصة مهمة ـ إن وظفت بالشكل الصحيح ـ في تنمية طرق التفكير والإبداع لدى الناشئة. فكم سيكسب وطننا عقولا سليمة، لو استطعنا جعل هذه الأنشطة مسرحا للحوار الشفاف البعيد عن الوصاية الفكرية، ولو خلعت عنها الأجندة الأيديولوجية، وأصبحت مكانا وطنيا يساعد الشاب على تنمية مهاراته في تقنيات العصر والتحليل والتفكير الذي يقوده إلى اتخاذ القرار الصحيح بنفسه دون أن يقوده أحد. والأمر الأهم في نظري لكي ننجح في إيجاد هذه المخرجات "الوطنية"، أن نلغي من الأذهان أزمة اختيار المشرفين على هذه المراكز أو غيرها من التجمعات الشبابية، بناء على الشكل أو السمات الخارجية، بل يجب تنويع الاتجاهات العلمية والمهارية والفكرية، لكي يخرج الطالب والطالبة بحصيلة تؤهله للتفكير السليم. فمحاربة الأفكار المتطرفة مثلا لن تكون مجدية بمجرد محاضرة نظرية لا تتعدى العبارات الإنشائية التي مل منها الشاب/ الشابة داخل أسوار المدرسة. بل الطريق الأقصر هو أن تؤهله لكي يفكر بنفسه ويحلل ليعرف الصحيح من الخطأ. وأعتقد جازما أن هذا ما تسعى له الجهات الرسمية.