تقف حتى نواميس الحياة مع الأثرياء والمقتدرين، تماماً مثلما تقف الإجراءات والنظم والقوانين. واجه العالم بأسره أعظم انهيار مالي في تاريخ الإنسان فتقدمت أمريكا بمشروعها الداعم لوقف هذا الانهيار فكيف كانت هذه المعادلة؟ يقال إن مشروع الدعم الأمريكي ضخ في سوقه الضخم حتى اللحظة ما يناهز تريليون ونصفه من الدولار فأين كان هذا ـ الصنبور ـ الهائل يصب وأين ابتدأ ثم انتهى؟ هي ذات معادلة ـ بانكس ـ في تدوير ودورة الاقتصاد فماذا تقول هذه المعادلة؟ تقول بالضبط ما يلي: هب أن ألف دولار تاهت ضائعة في حزمة نقدية على قارعة الطريق ليلتقطها واحد من اثنين من العابرين: إما فقير معدم سيصرفها بالتفريق على متاجر الأثرياء ليجد جيبه منها فارغا نهاية ذات المساء، وإما غني قادر يستطيع أن يجعلها ضعف ما وجدها عليه بنهاية دورة العام الأول. هكذا صُمم الاقتصاد العولمي: الأغنياء هم من يخلقون الوظائف للفقراء وهم من يصنعون لهم أساسيات الحياة وكمالياتها، وهنا نعود إلى مليارات الدعم الأمريكي لوقف وطأة الأزمة المالية. يقال إن أمريكا أول من شعر بهذه الأزمة الخانقة عبر مؤشر بسيط بنهايات العام 2007. مئات الشركات الكبرى والصغرى بدأت تسريح طواقمها الوظيفية الصغيرة حتى أصبح الملايين من صغار الموظفين ومن أصحاب الرواتب المتدنية بلا دخل. فقد هؤلاء الملايين القدرة على سداد القروض البنكية ثم كبرت كرة الثلج لتجد البنوك نفسها بلا دخل نهاية الشهر. هنا المعادلة: بنوك ضخمة هائلة تكتشف أن وقودها الحقيقي ورأسمالها الأساسي هم الملايين من أصحاب الوظائف البسيطة ومثلما قالها حفيد المصرفي الأمريكي الأول ستانلي مورغان: لولا الطبقة الدنيا لما كانت هذه البنوك. هنا كان أمام أمريكا الخيار أن يذهب الدعم الحكومي التريليوني إلى أي من الخيارين الاجتماعي أو الاقتصادي. أن تذهب إما إلى ملايين الطبقات الدنيا من المجتمع الذين تضرروا مباشرة من وطأة هذه الأزمة وفقدوا وظائفهم وممتلكاتهم وهم يعيدونها إلى نوافذ ذات البنوك بعد أن عجزوا عن مواصلة سداد القروض. ومرة أخرى تفوقت معادلة ـ بانكس ـ آنفة الذكر. هؤلاء سيصرفونها مباشرة في متاجر الأثرياء وستتبخر كل هذه المليارات، فالفقير لن يلد وظيفة مثلما لن يستطيع أن يضاعف دولار الدعم بنهاية العام إلى اثنين، ناهيك عن أن الخيار الاجتماعي سيفقد أمريكا شعارها الضخم: هذا الخيار سيحولها إلى دولة يسارية اشتراكية. هنا ذهبت أمريكا إلى الخيار الاقتصادي: ذهبت هذه المليارات الألفية من جديد إلى الأعلى: إلى الأثرياء والبنوك وإمبراطوريات الصناعة والتجارة وكارتيل المال والأعمال في سوق رأسمالي صرف رغم أن واحداً من كل هؤلاء الآلاف الذين فتحوا حساباتهم البنكية لاستقبال هذا الدعم الهائل لم يفقد ميزة واحدة من برجوازية حياته اليومية. الفقراء يدفعون الثمن والأغنياء يستقبلون الدعم. ومرة أخرى هو التبرير وصوت الحجة: الأثرياء هم من يصنعون الوظائف للفقراء وهم من يستقبلهم كل صباح في المكاتب والمعامل والمصانع. كل غني أو ثري واحد في المعدل الأمريكي يضمن وظائف عشرين فقيراً أو متوسطاً للدخل في منظومته فهل تذهب هذه المليارات من الدعم الحكومي إلى ـ الاجتماعي ـ في عشرين فقيراً سيصرفونها نهاية المساء، أم تذهب إلى ـ الاقتصادي ـ في شخص (الغطاء) الذي ضمن وظائف هؤلاء العشرين بالدعم. لكن بريق هذا التبرير المنطقي العقلاني لن يلغي المعادلة التالية من تصميم الاقتصاد: يقبض هؤلاء الفقراء رواتبهم نهاية الشهر من حساب الثري الغني ثم يعيدون نصفها الأول إلى أمثاله قروضاً في ذات اليوم، ويصرفون نصفها الثاني في متاجر الأثرياء حتى نهاية الشهر الذي يليه. والخلاصة أننا جميعاً ذات المعادلة: قرض البنك العقاري هنا يذهب لصاحب الأرض لا لمن يطلب مجرد استئجار المسكن. دعم المواد الغذائية يذهب للتاجر المستورد لا لمن يأكل بالتجزئة. قروض الصناديق الصناعية تذهب بالمليارات إلى أباطرة الصناعة من أجل الحجة والتبرير بقدرة هؤلاء على خلق الوظائف. شئنا أم رفضنا ذاك هو بناء معادلات الاقتصاد. لست يسارياً حتى وإن كتبت رؤية اليسار. هذا العالم يتحرك اليوم بيد واحدة.