فوض وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف أمراء المناطق بالصلاحيات الخاصة به لمدة عام واحد، شاملة الإجراءات الإدارية والمالية والحقوقية.

هذا التفويض والذي قام به وزير لوزارة "سيادية" يعد نقلة نوعية في إخضاع أمراء المناطق لتجربة اللامركزية والتحلل من البيروقراطية وتعظيما لمسؤولياتهم أمام المواطنين وأمامه بعظم صلاحياتهم الجديدة.

هذا التفويض ذو الأبعاد المهمة على أرض الواقع لم يطرز بتصريحات نارية ولا بكلمات رنانة فإقراره يكفي، وكذلك هي الأفعال أقوى من الأقوال.

وبينما كان وزير الداخلية يفوض أمراء المناطق بصلاحياته، وافق مجلس الوزراء على إنشاء مركز وطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها ضمن الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة، الوزارة الخدمية، في مفارقة يصعب تجاهلها.

قام وزير الداخلية بتمكين أمراء المناطق بتفويض صلاحياته، وعلى الجانب الآخر قام وزير الصحة بتضخيم صلاحيات وزارته المركزية بضم المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها لوزارته والذي من المفترض بأن ينتمي لمجلس الخدمات الصحية.

ومع ذلك فإننا نتفهم أن الرؤى والخبرة تلعب دورا مهما في اتخاذ المبادرات، كمبادرة وزير الداخلية، ولكن هذا لا يمنع من أن تحذو الوزارات الأخرى حذوه وخاصة وزارة الصحة.

يبلغ عدد المديريات الصحية في المملكة عشرين مديرية ولعله من الصعب تطبيق تجربة وزارة الداخلية من قبل وزارة الصحة، فالأكيد أن وزير الداخلية لم يبادر بها إلا ثقة منه في أمراء المناطق وفي قدرتهم على تحمل هذه الصلاحيات وتنفيذها بدلالة قصرها عليهم فقط من دون المحافظين ومسؤولي الإمارات.

وفي المقابل فإن مديري المناطق الصحية لا يذكرون إلا حين تقع مصيبة بإعفاء أحدهم أو رميهم لقمة سائغة للوسائل الإعلامية، ويكفي بأن يقوم أحدنا بجولة على مواقع المديريات الإلكترونية ليرى بأن الاختلاف هو في الأخبار والألوان وما سواه مجرد نسخ مكررة لمحتوى موقع الوزارة المركزي.

قد يصعب على وزارة الصحة اتخاذ خطوة جريئة كهذه في التخلي عن صلاحياتها وإعطائها لرجال الخط الأول في المناطق، لأنها لم تستثمرهم قياديا ولعلها تفرح بعثراتهم لتعطي نفسها عذرا آخر لتضخم هيكلها المركزي وصلاحياته.

المريض أولا شعار براق جذاب، لو أنه صاحب مبادرة الداخلية للمناطق، المواطن أولا، حتى لو كلف الوزير صلاحياته أو بعضا منها لفترة محدودة في سبيل تحسين أداء النظام الصحي وتجربة اللامركزية الصحية الموقتة والتي حتى وإن فشلت فلن تكون بأسوأ من غالب أداء الخدمات الصحية الحالية.

علق وزير الداخلية جرس التجربة، وها هي الفرصة سانحة للوزارات الخدمية عامة، والصحة خاصة بخوض التجربة. تستطيع وزارة الصحة اللحاق بمبادرة "الداخلية"، بمبادرة إدارة صحية على هيئة تجربة بحثية لتقليل خوف الوزارة من مخاطر التجربة وزيادة ثقتها بمديرياتها، ومن ثم يتم تقييمها من داخل الوزارة وخارجها حياديا لقياس مدى فاعليتها وأثرها على رضا المستفيدين أولا ومؤشرات الخدمات الصحية ثانيا.

لتبدأ الوزارة بتطبيق مبادرة الإدارة الصحية اللامركزية على نصف مديرياتها، ومتى ما نجحت تقوم بتعميمها على المناطق كافة ولتتفرغ لدورها الأساس وهو الرقابة على الخدمات الصحية. هذه المبادرة ستكون فاعلة إن تزامن تطبيقها من قبل الصحة مع مبادرة الداخلية فحينها ستضمن أن لها عينا إضافية في مراقبة أداء مديري المناطق الصحية الخاضعة للتجربة، وهي عين أمراء المناطق والذين يحملون على عاتقهم ضمان جودة الخدمات المقدمة من الوزارات كافة بما فيها الصحة.

بدأ العهد الذهبي للمناطق بتفويض صلاحيات وزير الداخلية للأمراء، فهل تشهد المناطق أيضا عهدا ذهبيا صحيا بوزير الصحة مفوضا مديري المناطق الصحية بصلاحياته؟