ماذا إذا ما اكتشفنا أن تاريخ الحضارة في العالم أجمع يبدأ من هنا؟! ماذا إذا ما توصلنا إلى أن أبا البشرية كان هنا في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة العربية؟! ماذا إذا توصلنا إلى أن نوحا وإدريس وكل الأنبياء كان مدرجهم بين هذه الجبال، بين هذه السهول وفي هذه المنحدرات، بالإضافة إلى سيد الخلق عليه أفضل الصلاة والسلام وصحبه وأنهم قد مروا من هنا؟! فكيف إذاً ننظر إلى هذه الأرض ونتأمل ترابها الطاهر الأبي؟! فلكل جبل حكاية ولكل حجر قصة ولكل موقع قدم تراث يغني العالم بأسره عن أسئلة محمومة بالخرافات والتدجين واستئناس الحكايات المفعمة بالتدجين؟! فأول من بنى البيت المعمور هو آدم عليه السلام، كأول بيت أنشئ على الأرض؛ كما اتفق على ذلك كل من البغدادي والكلبي والطبري، والهمذاني والحموي، وابن كثير حيث يقول: "كان آدم عليه السلام يلتقي بزوجه خارج البيت المعمور ثم يغتسلان ثم يعودان إليه". ثم نجد أن نوحا عليه السلام قد حمل عظام أبي البشرية حين الطوفان من جبل أبي قبيس ثم يعيدها إليه بعد أن استقرت الأرض والمياه. وفيما إذا ما علمنا أن جبل أبي قبيس هو أول جبل وضع على الأرض؟! كما ذكر الهمذاني وغيره من المؤرخين؛ فيصبح هو أبو الجبال على وجه الأرض. وقد ذكر الهمذاني أن شهابا نزل على "أبي قبيس" فأحدث نارا فاستلهم آدم عليه السلام النار من هذه الحادثة فصك حجرين وأشعل النار! وفيما إذا عرفنا أن النبي إدريس قد تلقى وحيا من جبريل عليه السلام بجميع العلوم ومنها الهندسة المعمارية فبنى مئة وثماني وعشرين مدينة على أسس معمارية في هذه المنطقة؟! وإذا ما عرفنا أن نوحا عليه السلام كان في الجزيرة العربية ثم أمر أبناءه بالانتشار حسب ريح اليوم، فيتوجه روم بن يافث غربا فتتكون قبائل الروم، وترك إلى حيث أبناء الترك، وإيران بن باشل إلى حيث بلاد فارس والاتحاد السوفيتي، وماغوغ بن باشل يتجه إلى شرق آسيا، أما أولاد سام فمكثوا حيث خيرة البلاد, وماذا إذا كانت بقايا قصر سليمان عليه السلام في الجنوب الغربي؟ ثم حضارة إرم ذات العماد في شمال وفي جنوب الجزيرة؟! وماذا إذا اكتشفنا أن تناسل جميع القبائل العربية برمتها خرج من الجزيرة العربية؟ وأن مؤسس أفريقيا هو أفريقس بن تبع الملك العظيم وأنه كون مملكته في المغرب ولذلك لقب بذي القرنين أو المقرن لأنه حكم مشرق المشرق والمغرب؟ كل هذه تساؤلات تجيب عليها موسوعتي الأخيرة التي انتهيت منها، فتجعل العربي بصفة عامة وابن الجزيرة بصفة خاصة يحتفي بكل حجر وكل جبل في أرضنا الحبية كونها الأم الكبرى لكل بلاد الله!

كانت سعادتي بالغة حينما تلقيت دعوة من الأمير فيصل بن خالد أمير منطقة عسير لحضور (الملتقى الثالث.. مستقبل عسير في عيون أبنائها 24-25 /6 /1434) حيث جمع الكفاءات العلمية من أبناء عسير ممن يقطنون خارجها من مبدعين ومن مستثمرين ليرى عسير في عيونهم. حينها أدركت أن أبها ومنطقة عسير في يد مبدعة وهو الأهم، وذلك لأن الوعي بأن النهضة لا تقوم إلا على الإبداع واستلهام الخيال الذي يتمتع به المبدعون. فهو يعلم أن لكل شجرة وحجرة ولكل سهل وجبل في هذه الأرض تاريخا يجب تسليط الضوء عليه.

وقد تعودنا نحن المبدعين أن نمعن في الخيال، عسى أن يكون في يوم من الأيام حقيقة، فالخيال هو نواة الإبداع، وها هو يدعونا لكي نطلق العنان للمخيلة لعلها تتحقق الأحلام على أرض الواقع.

إن ما يفعله سمو الأمير الآن بجمع أبناء أبها وخاصة المبدعين منهم، لكي يحلموا بما أنعم الله عليهم من مهارات الإبداع ثم يدعو المستثمرين منهم ليشاركوا في تحقيق هذه الأحلام لا يفعله إلا رجل مبدع، وهو فعل لم يتبادر لذهن حكام العرب في عصرنا الحالي، فلا بد أن يتلاقى الإبداع مع العلم وكلاهما يلتقيان مع المال، وهذا التعانق المحموم بحب الوطن هو ما فعله الأمير، لأنه يعلم أن هذه المنطقة تمد جذورها في عمق الزمن، حيث يرجع تاريخها إلى حوالي 5000 عام ق.م. بل ارتبط بتجمع شعوب هذه المنطقة وتكوينها في شكل جماعات وقبائل بعد فترات التشتت والانتشار، هذا التجمع الذي أفرز من الاختراعات والنظم ما يحقق لنا أبناء هذه الأرض نوعا من الفخر بين شعوب العالم أجمع، فكما يقول الدكتور (رالف دانتون): "إن أهم مركز لتدجين النبات واستئناس الحيوان في بلاد العالم القديم هو تلك المنطقة الواقعة في جنوب غرب آسيا.. إنه حوالي عام 5000 ق.م. وكانت نظم حياة القرية منتشرة في معظم أرجاء هذه المنطقة وإن قبائل متباينة كانت تشترك في اتباع تقليد واحد". وهو هنا يتحدث عن جنوب غرب قارة آسيا ومنها بلاد عسير. ثم يقول: "ولا يعادل صعودبة معرفة الأماكن الحقيقية التي نشأت منها النباتات والحيونات المختلفة في هذه المنطقة إلا معرفة الأزمنة، على وجه التحديد التي ظهرت فيها بعض المظاهر الحضارية التي كونت مع بعضها بعضا صرح الحضارة في منطقة جنوب غرب آسيا، والتي انتشرت في جميع أرجاء البلاد، وقد تبع تطور إنتاج الغذاء في هذه المنقطة تقدم حضاري سريع لدرجة أنه يصعب علينا أن نعرف بوضوح وعلى وجه التأكيد محتويات أي طبقة من الطبقات التي تدل على تتابع العصور الزمنية في المناطق الأثرية"، ويكمل: "لا يمكننا أبداً أن نجزم متى صنعت أول عجلة، أو متى صنع أول محراث أو نول، أو متى صهر أول معدن، أو متى كتب أول نقش، لكننا نعلم فقط أن كل هذه الاختراعات التي غيرت مجرى الحضارة في العالم قد نشأت في بلاد العالم القديم، وأنه يمكن تتبعها إلى هذه المنطقة، وأن ذلك قد تم بين سنتي 5000 و3500 ق.م".. وقد أطلق عليها العصر النيوليتي ثم عصر البرونز ثم عصر الحديد وقبلها العصر الحجري، بل امتد تاريخها أكثر عمقا وتوغلا، مثل اكتشاف حضارة العُبيد 5300-4000 ق.م وحضارة الدلمون 2500 ق.م، وغيرها من الحضارت.

فلا يقدم على فكرة كهذه إلا من هو غيور على هذا التاريخ ومن هو يعلم قدر تاريخه، فشكرا لك يا صاحب السمو على ما تفعله لأبها وأهلها.