واشنطن ليست معروفة بالنقاش الصريح والنزيه، خاصة عندما يتعلق الأمر بموضوع مستقبل إسرائيل وفلسطين. لذلك عندما يحدث مثل هذا النقاش الصريح والنزيه، خاصة عندما يحدث في كابيتول هيل، يجب الإشارة إليه.
في 25 أبريل، استضاف مجلس سياسة الشرق الأوسط (Middle East Policy Council) حلقة بحث لمدة نصف يوم حول "مستقبل إسرائيل وفلسطين"، شارك فيها ثلاثة من نقاد إسرائيل المعروفين، اثنان منهم من اليهود. رجل الدولة هنري سيجمان، وهو حاخام وعسكري سابق في الجيش الأميركي، وهو رئيس سابق لمنظمة المؤتمر اليهودي الأميركي ورئيس سابق لمشروع الولايات المتحدة/ الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية. فيليب ويس هو ناشر مدونة شهيرة اسمها موندويس. الدكتور ستيفن والت أستاذ علاقات دولية في جامعة هارفارد وشارك في كتابة "اللوبي الإسرائيلي"، وهو كتاب واجه حربا كبيرة ضده من جهات صهيونية إلى أن نشره مجلس سياسة الشرق الأوسط.
الرسالة الموحدة التي قدمها المشاركون الثلاثة هي أن آفاق حل الدولتين انتهت. مع وجود 600.000 مستوطن يهودي يحتلون جزءا كبيرا من الضفة الغربية والقدس، لم يعد هناك احتمال واقعي لانسحاب إسرائيلي إلى حدود 1967. علاوة على ذلك، سيطرت إسرائيل على موارد المياه في الضفة الغربية ولا تنوي مطلقا التنازل عن تلك السيطرة.
من المفارقات أنه بعد عدة أيام، في 29 أبريل، حدث أكثر النقاشات ادعاء وأقلها صراحة عندما التقى وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع وفد رفيع المستوى من مسؤولي الشرق الأوسط. الوفد كان برئاسة رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم، رئيس لجنة متابعة مبادرة السلام العربية، مع وزير الشؤون الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، ووزير الخارجية المصري محمد كامل عمرو، ووزير خارجية البحرين الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة، ومسؤولين سعوديين ولبنانيين بارزين، وأمين عام الجامعة العربية نبيل العربي.
كيري بدأ الاجتماع قائلا "أعتقد أن من المهم أن لدينا فرصة لنتمكن من التحدث بصراحة."
لكن اجتماع كيري كان أبعد ما يكون عن الصراحة. أولاً، تم عقده في بلير هاوس، المكان المعروف بأنه مضيفة الرئيس الأميركي، بدلاً من وزارة الخارجية، وذلك لاجتذاب كمية أقل من الانتباه. ثانيا، تم عقده فيما استمرت السياسة الإسرائيلية في قتل الفلسطينيين بوحشية: سلاح الجو الإسرائيلي كان يستعد لشن غارة 30 أبريل على غزة.
اجتماع كيري كان يتعلق بمطالبة الفلسطينيين بأن يتخلوا عن حدود 1967 ويتفاوضوا رغم أن إسرائيل تغتال الأطفال وتقتل السجناء وأعضاء الميليشيات بدون محاكمة بذريعة الدفاع عن النفس.
لذلك من الضروري قراءة الحوار الصريح فعلا في مجلس سياسة الشرق الأوسط ومناقشته بشكل واسع.
في مجلس سياسة الشرق الأوسط، وصف الدكتور والت الوضع بعبارات قاسية. قال إنه مع موت حل الدولتين، هناك حاليا ثلاثة بدائل. أولا، الإسرائيليون يستطيعون أن يستوعبوا السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية في دولة ديمقراطية واحدة. ثانيا، تستطيع إسرائيل أن تحاول طرد الفلسطينيين بشكل جماعي من الضفة الغربية، مما يضمن أغلبية يهودية مطلقة ودائمة في كل إسرائيل وفلسطين. وثالثا، تستطيع إسرائيل أن تفرض نظام فصل عنصري (أبارتايد) وتحيل جميع الفلسطينيين ليكونوا مواطنين من الدرجة الثانية، لا يتمتعون بحق الانتخاب ومحرومون من التعليم وفرص العمل ويساقون إلى مجمعات عول (جيتو) تحت حراسة مشددة.
وأجمع جميع المتحدثين أيضا أن فرص تخلي إسرائيل عن المفاهيم الأساسية للصهيونية ومنح الأغلبية الفلسطينية حقوقا متساوية في دولة واحدة غير موجودة. ومع أن الآفاق قصيرة المدى للفلسطينيين بدت قاتمة، فإن كل متحدث نقل وجهة نظره بأن إسرائيل، على المدى البعيد، هي المهددة بالزوال. ما لم يتم التخلي عن الاعتقاد بأن الشعب اليهودي لا يمكن أن يعيش إلا في دولة يحافظون فيها على الأغلبية المطلقة، فإن إسرائيل تواجه مستقبلا تكون معزولة فيه إقليميا ودوليا. ليست هناك دولة تستطيع أن تفرض نظام فصل عنصري على شعب يشكل الأغلبية وتستمر في الحصول على دعم واحترام المجتمع الدولي. ولو حاولت الحكومة الإسرائيلية أن تقوم بطرد الفلسطينيين بشكل جماعي إلى الأردن فإنه ستفشل في ذلك وسيتعرض أمنها إلى خطر بالغ.
الموضوع الآخر الذي تطرق إليه المتحدثون هو أن الشعب الأميركي، بما في ذلك غالبية اليهود الأميركيين، بدؤوا يفقدون صبرهم مع إسرائيل. المتحدثون أنفسهم انعكاس واضح لتلك المواقف المتغيرة. هنري سيجمان، الذي لا يزال صهيونيا متحمسا، قال أيضا إنه يؤيد بقوة حل الدولة الواحدة، يتمتع فيها الفلسطينيون العرب والمسيحيون والإسرائيليون اليهود بحقوق متساوية كمواطنين في دولة ديمقراطية. وقال سيجمان إن سياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بحق الفلسطينيين هي جرائم ضد الإنسانية. كما كسر البروفيسور والت كل البروتوكولات الأكاديمية من خلال المشاركة بكتابه "اللوبي الإسرائيلي" الذي يصور السلطة الكبيرة التي تتمتع بها جماعات مثل منظمة (إيباك) الصهيونية في السياسة الأميركية. لم يحدث من قبل أن أكاديميا بارزا من جامعة كبيرة كسر المحرمات وكتب بوضوح عن الفساد وإساءة استغلال السلطة للمنظمات الصهيونية.
ليس الوقت مناسبا الآن للاستسلام لمطالب إسرائيل ومطالب إدارة أوباما بالتخلي عن حدود يونيو 1967. سيكون ذلك طريقا آخر يوصل إلى نهاية مسدودة.