العنوان ليس من كلامي، بل هو من تعبير رونالد اسموس وكينث بولاك، وهما من المحافظين الجدد في مقال بعنوان: (دمقرطة الشرق الأوسط) خرج في عام 2002 وفيه قولهم: (لقد أدى الفشل الذي أصاب الأنظمة العربية إلى نشوء أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، ونشوء أنظمة وأفكار ما زالت تؤمن بالعنف ضد إسرائيل، لذلك يجب أن نعتمد على استراتيجية حازمة قادرة على تغيير المنطقة وإيجاد أنظمة أكثر اندماجاً وأقل تكلفة، والترويج لأشكال جديدة من الديمقراطية - على طريقه برنارلويس ـ وذلك بدمج ملايين العرب والمسلمين في العالم المعولم.. إستراتيجيتنا القادمة يجب أن تعي خوض معركة العقول والقلوب، وهي المعركة التي لا يمكن فرضها من الخارج، إنها معركة الداخل - مرة أخرى - معركة العقول والقلوب).

هذه المعركة يدرك الغرب أنها معركة مفصلية في سبيل الدفاع عن "إسرائيل" من خلال فرض النموذج الغربي الناجز بكل وسيلة، فإن كانت القوة هي الوسيلة التي كانت الحل للتعامل مع صدام حسين وممانعته، فإن إستراتيجية السيطرة على العقول والقلوب من داخل المجتمعات العربية والإسلامية هي الأقل كلفة بلا شك، لأنهم ينظرون إلى منطقتنا على أنها منطقة سباق، فهي تعتبر بالنسبة لهم معركة حياة أو موت، كما قال نعوم تشوميسكي عنها بأن القادر على السيطرة على الشرق الأوسط هو القادر على السيطرة على أوروبا، وهذا يعني أولوية المنطقة في وعي أميركا والقوى العالمية الكبرى، وأنها محط صراع ونزاع وتسابق على هذه الكعكة الكبيرة التي يريدون اقتسامها من خلال تعزيز تأمين إسرائيل وتسريحها كشرطي للمنطقة، وتغولها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وإنهاك خصومها وإضعافهم وتشتيت مشاعرهم وقواهم حتى يستطيع أولئك السيطرة على العقول والقلوب من خلال إقناع الناس بحمل أفكارهم ورؤاهم السياسية والاقتصادية، وترديد شعاراتهم حتى تصبح حلولاً لا جدل حولها، وها هي الجموع تهتف الآن في كل مكان: حرية/ ديمقراطية، إعلاناً بنجاح فكرة السيطرة على "العقول والقلوب" التي بشر بها هؤلاء المحافظون الجدد.

إننا لو رأينا جموع الغرب في بلادهم تهتف بالقيم العربية وتطبيق الشريعة الإسلامية لأعلن الجميع الانتصار عليهم واختراقهم من داخلهم، ونجاح غزوهم من داخلهم، ولكن الناس لم تدرك أن الهتاف لقيم الغرب السياسية هو اختراق داخلي يوطىء للاحتلال الناعم الذي تتراجع فيه الدبابات والطائرات وراجمات الصواريخ والغواصات لتستهدف مباشرة عقول وقلوب الشعوب وتغييرها من داخلها، في معركة ثقافية كبرى تروج لتلك المشروعات والتي في نهايتها نكوص عن القيم الخاصة وركوب لموجة الحضارة الغربية، والتي لا تسعى لفرض هذه القيم من أجل عيون الناس وأمنهم واستقرارهم، بل من أجل سهولة التلاعب بهم وبمقدراتهم والتحكم بمصائرهم والحيلولة دون أي نهوض حضاري ووحدة مرجوة، وإحالة الشعوب إلى استهلاكية ومنتجة لسلعهم، فهم يضمنون رفاهية حياتهم الحداثية من خلال مص خيرات الشعوب واستعبادهم لها.

إن الاختراق لا يأتي إلا من خلال هشاشة الأمم، فإن هي وعت وتقوت وأدركت موقعها الحضاري وانطلقت من التحدي الذي يضمن لها القوة، بعد توفيق الله، لن يستطيع أحد إحالتها إلى تابعة ذليلة، ولن يكون ذلك إلا بحركة "إصلاحية كبرى" تبني الإنسان والأوطان من خلال الخصوصية الحضارية التي تتفاعل ولا تتماهى مع الآخرين، راسمة بذلك استراتيجيات ورؤية واضحة وأهداف محددة حتى تكون خطواتها في تعليمها وتنميتها وخططها متسقة مع رؤيتها البعيدة وحشد كل طاقاتها المادية والبشرية لتحقيق هذه الأهداف، فإن هي تخبطت في قراراتها وصارت قراراتها تكتيكية لحظية فلن يكتب لها الحضور التاريخي ولا الريادة الحضارية، لأن الحضارة إنما يصنعها الإصرار والعزيمة والعلم والبحث، وإدراك سنن التاريخ وحركة الاجتماع البشري وقراءة السنن الشرعية التي تؤسس للإنسان الغائية والهدف من الحياة، فتظهر حضارة توازن بين العقل والقلب والروح، وحينها ستكون هي التي تغزو قلوب وعقول الآخرين، كما كانت في السابق، بدلاً من إحالتها إلى سوق استهلاكية لسلع الآخرين، كاسدها وصالحها، ومعملاً لتجارب الأمم ومخططاتهم وكيدهم ومكرهم الكبّار.