كنت أستمع لأغنية أم كلثوم للشاعر أبي فراس الحمداني، مجرد المطلع حرك شيئا ما بداخلي وبدأت أفكر بعمق في المطلع الذي يقول: "أراك عصيّ الدمع شيمتك الصبر"، تجمدت عند هذه التعابير، وأخذتني في دوامة، حقا من هو عصي الدمع؟ هل هو العاشق؟ أم المحتار؟ أم المتألم؟ أم المظلوم؟ كم تمر علينا في حياتنا لوحات بشرية ترى في أعينها خيالا لدمعة حائرة ترفض الإعلان عنها بل حتى إنها ترفضها.. ولكننا نلقي نظرة عابرة عليهم ونستمر في الحياة، لأنها الحياة.. حياتنا.. لا مكان فيها لأدمع الغير، يكفينا ما نمتلك منها.. بحار إن لم تكن أنهُر! نعيش إنسانيتنا بالشعارات، وقد نتعاطف ولكن من مسافة تشعرنا بالأمان، فنحن لا نريد أن نقترب، نخاف أن نغرق.. أن نحترق! نعم في عصرنا هذا أصبح الماء والنار يتواجدان في روح واحدة.. سأعرض لكم منها نقاطا تتناقل بين أبجديات أيامنا.. أنجم في حياتنا ولكن منها نخاف.. أن نقترب!

- رجل يشعر بمعاناة المرأة في المجتمع العربي، ولكن يخاف أو ربما يرفض أن يخرج موقفه المعارض للعلن كي لا يصنف بأنه من مؤيدي حقوق المرأة، لما لذلك من مفاهيم سلبية مصاحبة، لا يرغب بأن تلصق به، أو على الأقل كي لا يوصف بأنه رجل ضعيف، أو قد يكون نتيجة تنشئة ذكورية تعتبر مساندة قضايا المرأة من قبل الرجل نقصا في "المرجلة"! أشعر كلما صادفت أحدهم يظهر لي بأنه يكاد يختنق مما فرض عليه ارتداؤه من جلباب الأعراف والتقاليد ولكنه لا يحاول خلعه، بل يفضل أن يخنق مشاعره، قد تتسرب منه بعض الكلمات المساندة ولكن سرعان ما يتراجع عنها عند أول بادرة اعتراض!

- شخص يعيش في بيئة سلبية، منقادة أو مخدرة تحت تأثير رأي الأغلبية، لا يستطيع أن يجادل أو يقدم أي حجج لأن العقول قد أغلقت، والنفوس قد قررت بأن ما هو في مجال الرؤيا هو الحقيقة المطلقة، وكل من يعترض لن يكون مصيره سوى الإقصاء أو الشتم أو الاعتداء بهجوم فردي أو جماعي، وقد يكون جميع ما سبق وأكثر! وكلما شعر بأن الوقت قد حان للحديث يجدهم يبتعدون أكثر، يجبن ويتراجع خوفا من خسارتهم لأنه يحبهم ويعزهم أو ربما خوفا من خسارة موقعه بينهم، معلنا لنفسه أن غدا هو يوم آخر.. ولكن غده لا يأتي!

- طفل معنف، يهاجم كل يوم من مجموعة من الأقران المتنمرين في الحارة أو في المدرسة، ولكنه لا يستطيع أن يشتكي لأهله لأن ذلك يعد ضعفا، والذكر يجب أن يكون رجلا ولا يسمح لأحد بأن يعتدي عليه، بل أن يرد الصاع صاعين، وهو ضعيف البنية قليل الخبرة! فيكبت في نفسه وتتراكم مشاعر الغضب بداخله، ويعلم الله على أي شكل ستنفجر، بأذية نفسه أم أذية من حوله!

- طفلة تتعرض للتحرش الجنسي من مربيتها أو السائق أو حتى من أحد الأقارب، تشعر بألم ما يحدث لها، أو قد تشعر بعدم الارتياح، أو قد تشعر بالضياع لأنها لا تفهم ما يجري.. ضياع وخوف ورعب ولا أحد يأخذ قليلا من الوقت لينظر في عينيها ليرى تلك الدمعة الحائرة بين أن تخرج أو تبقى مختبئة، لتنهمر فقط في ظلام الزوايا أو تحت الأسرة!

- عامل يتلقى أحط أنواع التعامل، لا تتقبله كرامته ولا تتحمله إنسانيته، ولكن بسبب الأفواه التي يجب أن يطعمها في بلده يبلع شفرة الإهانة ويحترق، ليجد أن كل ما تحمله كان للاشيء بعد أن يحرم راتبه لشهر أو لشهرين أو لعدة أشهر، ولماذا؟ كي يثبت بأنه لن يهرب ويضيع على كفيله ما دفعه من تكاليف إحضاره!

- خريج جامعي قضى سنوات طويلة من عمره بين جدران مؤسسات تعليمية يطلب العلم أو ربما فرض عليه العلم، المهم أنه لسبب أو لآخر استمر في مسيرته، ليجد أنه وصل لطريق مسدود، فليس تخصصه مطلوبا، ولا يمتلك خبرة عملية أو مهنية تفيده في إيجاد ما يمكنه أن يدخل سوق العمل ليبدأ مستقبله، وإن وجد يكون في مجال مسدود لا يقدم ولا يؤخر.. مكانك سر، وفوق هذا كله مطلوب منه أن يبدع وهو لم يؤهل أصلا ليفكر كي يبدع.. ويشعر كمن ربطت يداه وقذف في بحر المجتمع ومن ثم يحذر من البلل!

- مطلقة تحرم من مشاهدة بناتها بسبب عنجهية وتسلط طليقها، لا تجد من ينصرها، فتلجأ لرؤيتهن في المدرسة في الخفاء دون علم سوى المديرة المتعاطفة مع حالتها! تتخفى وهي داخلة إلى المدرسة كي لا تتعرف عليها إحدى قريبات زوجها من التلميذات أو المدرسات، تسرق من الزمن ما هو حقها بالأساس.. ترسم الابتسامة على وجهها كي تحول لحظات اللقاء إلى فرحة، وتدريجيا وبعد كل لقاء يتآكل ما تبقى بداخلها من إنسانية!

- مواطن عربي يرى أمته تتناحر فيما بينها، طائفيا ومذهبيا وعرقيا وحزبيا وفكريا وولاءات لجهات ظاهرة ومعروفة وغيرها مستترة ومجهولة! أمة تأكل أبناءها كما تأكل الوحوش فريستها، يأتي من يرمي لها فكرا هنا.. ومفهوما هناك، يضخم حدثا هنا.. ويفبرك حدثا هناك، يرمي بالسلاح هنا.. وهناك، وتستعر الأحقاد، وتشتعل المشاعر، وتنتشر الرذيلة وتنحسر الأخلاق.. ثم تقف في قلب مجال السيل العارم إما شامتة وإما تبكي إخوة لها.. معمية عن أخطار ما هو حتما آت!

لا أريد أن أقلب المواجع، ولكنني أريدنا أن نتواصل مع إنسانيتنا التي اشتاقت إلينا، تنادينا فلا تجد سوى صدى يرتد إليها بعد أن اصطدم بجدار قلوب متحجرة وعقول مجمدة. ليرحمنا الله.. فنحن لم نعد نقوى على رحمة أنفسنا!