كم واحدٍ منا انتقد بلاده في مختلف المجالات، وبلغ من الإحباط أن يتمنى الهجرة بأي شكل، وما إن يهاجر "أياماً معدودات" حتى يقتله الحنين؛ ليعود مقبِّلاً تراب الوطن؟
ما هذا التحول المفاجئ؟ "خطوط النسخ والرقعة الجوية العربية السعودية" مازالت تشكرك لاختيارها، وليس أمامك سواها! و"الكهرباء" فصلت جميع المولِّدات وعلى رأسها "مولِّدة الأجيال"/ "أم سعيدان"! والسوق مازالت تعتمد سياسة "التطفيف": فترتفع أسعار الحديد ـ مثلاً ـ خلال ثلاث دقائق متأثرةً بارتفاع مؤشر الأسواق العالمية، ولا تنخفض "قليلاً" إلا بعد ثلاثة أشهر من انخفاض المؤشر نفسه انخفاضاً حاداً! ومازال كثيرٌ من مستشفيات "وزارة الصحة" بدون صيانة، رغم تصاعد الأخطاء الطبية! وحتى "الجوازات" مازالت بلا مكيفات، ولهذا منحتك "جواز السفر" الوحيد في العالم برائحة "مميزة"، ليست إلا "ريحة" الموظف "طالعة" معك!
أيعقل أن التطوير "الميتافيزيقي" الهائل الذي أجرته "وزارة التربية والتعليم" على غلاف "الرياضيات" هو سبب تحولك الوطني المفاجئ؟ فماذا لو عرفت أنها قررت إضافة "خامس/ كراج" إلى "أولى/ مطبخ"، و"سادس/ بلكونة"؟!
لم يتغير من انتقاداتك شئ، ولكن "سفرة يومين" جعلتك تردد مع الزميل الأمير/ "أحمد شوقي":
وطني لو شغلتُ بالخلد عنه * نازعتني إليه في الخلدِ نفسي!
ثم ما هذه الرغبة العارمة في تقبيل ترابٍ لاتملك منه قطعة تسكنها؟ فأنت من شريحة الـ(60%) العاجزة عن امتلاك سكن، ومازالت تنتظر إقرار مشروع "الرهن العقاري" لعل وعسى! وتردد مع "جاسم الصحيِّح":
ما أنتَ ياوطني مجرَّد طينةٍ * فأصوغها لطفولتي تذكارا..
حاشا.. ولست بقطعةٍ مربوطةٍ * قيدَ التراب أقيسها أمتارا..
ويلح عليك سؤال غريزة الانتماء: هل تسكن الوطن، أم إن الوطن هو الذي يسكنك؟ لتتلمس عظمة "طه حسين"، وهو يرفض "الهجرة" استجابة لإغراءاتٍ، لا يحلم بها كبار الأكاديميين للتدريس في أرقى الجامعات الفرنسية والأمريكية؛ في لحظةٍ قطع "وطنه" مصدر رزقه الوحيد وفصله من الجامعة؟ هل توافق الدكتور/ "عبدالله الغذامي" على أنه "الأعمى الأبصر"؟ أم تسخر منه سخرية العقل العظيم الآخر/ "محمد أركون"؛ لأنه حاول أن يزرع فلسفة الزميل/ "غينيه ديكاغت" في أرض عربية صلدة "سبخة"؟ ولهذا حاول "أركون" تلافي تلك الغلطة "الطحسنية" القاصمة، وحمل وطنه العربي بين أضلاعه، وقرر العيش في بلاد "ديكاغت"، والكتابة بلغة "ديكاغت"، وتوجيه الخطاب إلى قوم "ديكاغت"! وتردد كثيراً حينما قرر "هاشم صالح" ترجمته إلى لغته الأم؛ لأنه ـ حسب تصريح "هاشم"، وكما ظهر هو في "إضاءات" ـ ظل خائفاً مما تعرض له "طه حسين" من تكفير وإقصاء؟
وها أنت تقف حائراً: أيهما خدم الفكر العربي أكثر؟ "طه" الذي سكن "الوطن"، أم "أركون" الذي سكنه "الوطن"؟