لكل بلد من بلداننا العربية خصائصه الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية، أما على صعيد التحولات الجوهرية في وعي وثقافة مجتمعاتنا، فإن مؤشر الإعاقة يظل في حالة نمو مضطرد، حتى وإن سجلت الأبحاث والدراسات المحلية، وشهدت التقارير الإحصائية الدولية أن قطرا عربيا شمال الوطن العربي أو وسطه أو جنوبه أحرز مستويات متقدمة في مجالات التنمية البشرية، وخلّف الأمية والأمراض البدائية خلف ظهره.

أوائل الثمانينات من القرن الماضي، دخلت لبنان في شراك الأحداث الدامية، ولم يحتج ذوو المؤهلات العلمية العالية لأكثر من أسبوعين، ريثما تصبح علاقتهم بالسلاح أقوى من صلتهم بالمؤسسات الأكاديمية.

ويومها تغير كل شيء، فلا فيروز تغني، ولا المكتبات العريقة تفاخر بإصداراتها، ولا الوجوه الباسمة المرحة تغدق البهاء على الشاطئ.. أقول كل شيء تغير بما في ذلك علاقة الإنسان بالطبيعة، وشهقات الصبايا في مواسم التزلج على المدارج الثلجية.

وحين وصل المجتمع بقواه السياسية مرحلة التشبّع من العنف، ووضعت الحرب أوزارها، رأينا آثار الدمار الهائل، ومناحات المسارح الجاثمة على الأرض، لتبدأ دورة الحياة فوق قشرة المدنية المتماهية مع كمائن السلاح.

تونس البلد الأخضر، هي الأخرى تستيقظ على صرخة شاب أضرم النار في جسده؛ احتجاجا على ظلم حاكم لم يكن يحسن الإصغاء لأنين الناس، ولقي محمد البوعزيزي حتفه، على أن صرخته غدت ثورة عارمة يختفي تحت ملاءتها تيار العنف السياسي بجاهزياته المعلومة، وإمكاناته القادرة على مصادرة أحلام المجتمع التونسي، واقتلاع إرثه العريض من المدنية وحب الحياة والكفاح في سبيل إخصابها.

ومثلما ذهب إليه شاعر الثورة العربية أبو القاسم الشابي، فقد ذهب الشعب التونسي إلى ساحات الثورة، وكان تواقا لكسر القيد والتخفف من مشاق السلطة البوليسية، لكن الذي تحقق ليس إرادة الحياة، وإنما الوقوع في مأزق "المجلس البلدي" الموصوف في قصيدة بيرم التونسي على أسوأ صورة من صور الديكتاتوريات المتخلفة، التي تحتكر تمثيل السماء وتسطو على تضحيات الشعوب المقهورة، ولا تتورع عن استباحة الحقوق والحريات والتقرب إلى الله بما ومن يخالفها الرأي!.

الحياة في مجتمعات المدنية الواهمة تعادل رصاصة الغدر المهداة لشهيد النوايا الحسنة السيد شكري بلعيد!، وهل قتل الرجل إلا بضوء أخضر من جماعات التطرف الجاثمة على قلب الربيع الثائر؟.

بيد أن الأمر في اليمن يبدو مختلفا جدا.. إذ تختلط الأوراق ببعضها في مشهد تراجيدي لا تقتصر مخاطره على المتاحات الضئيلة لبناء دولة القانون، إنما إحلال نقائض المدنية واغتصاب الدور الوطني للقوى الحداثية الواقعة تحت سقف المواطنة الأدنى المحكومة بموازين مختلة ترجح دفة التطرف والقبيلة وحلفائهما من الدوغما السياسية ذات الحسابات الاستراتيجية المتشائلة!.

وهنا تحديدا تكمن سخرية الدهر، فالمشروع المدني يرفع في بلدان الربيع العربي بنفس الطريقة التي أبدعها معاوية لاكتساب مشروعيته في الولاية!.

محض افتراء أن تتجسد مدنية الدولة والمجتمع، طالما كان على سدة السلطة أحد المخلصين لمبدأ السمع والطاعة، أو ما يعرف بالولاء والبراء.. ومحض هراء أن تكون أسس الدولة المدنية أو مفاهيمها ضمن قناعات نافذ ظل يستقوي بالسلاح وأبناء القبيلة، ويرسم مخططا من أوكار العصابة ضد من يعتقدهم دونه محتدا أو أقل منه رصيدا.

قد لا تنطلي الخدع على الجيل القادم، ولكن مكر التاريخ كفيل باستدعاء المفارقات المجحفة، إذ يكتوي جيلنا المعاصر بذات السذاجة، ثم تعاوده الرغبة في تجربتها مرة أخرى، مما يدل على خلل في الذاكرة، وانحسار للرؤية وفقر في البصيرة!.

وتقريبا فما تحتاجه فكرة المدنية في مجتمعاتنا ليست وفرة المتعلمين، ولا تيارات الإسلام السياسي والأيديولوجي، ولكن توطين قيم المدنية في المناهج التربوية وتجذيرها في أوساط الناشئة واليافعين، وربطها بمنظومة القيم السلوكية للدولة الوطنية، كونها المهاد المطلوب لبلوغ دولة الحلم المؤجل في كل أقطارنا العربية المهددة بقوانين الحاكم المعصوم، ونظام وهوس الإمارات الإسلامية، وأنفاق السمع والطاعة.

وكي لا يستفرغنا السياسيان: اليساري أو القومي بشعاراتهما المتغطرسة حـول الإنجازات العملاقة من النظم السياسية الرائدة التي حققها أحدهما، يتعين علينا إعادة اكتشاف وتشكيل الحامل الاجتماعي للدولة المدنية غير القابلة للوقوع في مأزق العصوبيات المتخلفة.