هطلت على معظم مناطق المملكة في الأيام الماضية أمطار غزيرة ارتوت على إثرها الأرض وامتلأت الأودية بالمياه، وهذه نعمة ولله الحمد والشكر. وحقيقة الأمر أنه قبل هطول الأمطار بفترة كافية تم التنبيه والتحذير في وسائل الإعلام المختلفة سواء الجديد أو القديم منها من قبل الهيئة الوطنية للأرصاد وحماية البيئة، والدفاع المدني حول توقع هطول أمطار غزيرة على بعض مناطق المملكة، وتم التحذير من النزول إلى بطون الأودية ومجاري السيول، والبقاء في المنازل بعيدا عن التجمعات المائية، ولكن للأسف لم يتم الاهتمام بهذه التحذيرات، أو حتى الانتباه لها، وكأنه لم تكن هناك أي جهود وقائية من الجهات المعنية في هذا المجال، وعندما هطلت الأمطار خرج كثير من الأسر، لتستمتع بالمطر خارج المدن وبجوار الأودية بهدف متابعة السيول، والتنزه في الأوقات بعد هطول الأمطار، وهذه الفئة التي تخرج في هذه الأوقات تعرض نفسها للخطر وتغامر بشكل غير مقبول من خلال السير في مجاري السيول وبطون الأودية، وتتجول بمركباتها وبها جميع أفراد الأسرة في هذه الأماكن الخطرة في هذه الأوقات، وقد لا تدرك أن هناك سيولا منقولة من مناطق بعيدة قد تصل في أي لحظة ومن دون سابق إنذار.

وجاء المطر واتجه الكثير من الشباب لبطون الأودية وأماكن تجمع مياه السيول، وقاموا بالسباحة مع أن الدفاع المدني يؤكد في أكثر من مناسبة على تجنب هذه الأماكن لخطورتها؛ ولأن كثيرا من هذه الأماكن يعد مصيدة حقيقية لمن يرتاده، وجاء المطر وزادت تصرفات بعض الشباب المتهورة من محاولة عبور السيول من دون معرفة مسبقة لهذه الأماكن، وعمقها، ودرجة الخطورة من عبورها، وفي بعض الأوقات يكون هناك تنافس بين بعض الشباب لعبور هذه السيول، وهذا تنافس غير محمود، قد يكون ثمنه غاليا جدا، وقد يضحي المغامر بحياته وحياة من معه.

جاء المطر وتحولت شوارعنا إلى برك سباحة لمركباتنا لعدم وجود تصريف لمياه الأمطار، أو لأن فتحات التصريف - إن وجدت - ممتلئة بالنفايات والمخلفات، وليس لها صيانة دورية، وعندما جاء المطر وتجمعت المياه بدأ عمال النظافة بتنظيف هذه الفتحات؛ فأين أعمال الصيانة؟ وإلا فإن أعمالنا جميعا ما هي إلا ردود فعل فقط! وجاء المطر واتضحت رداءة تنفيذ كثير من مشروعاتنا الخدمية، وزادت أعداد الشوارع، والطرقات التي بها هبوط حاد في السفلتة، وزادت أعداد الحفر وأحجامها وتسببت في العديد من الحوادث، ولم يتم حصرها، أو اتخاذ أي إجراء حيالها من قبل الجهات المعنية، وكأنه لا يوجد وحدات أو إدارات صيانة لهذه الأماكن؛ فهل تنتظر هذه الإدارات أن يتقدم أحد المواطنين بطلب لها لتقوم بمهامها؟

وجاء المطر وحاصرت السيول كثيرا من المنازل التي تم بناؤها في بطون الأودية والشعاب، وكثير منها في مخططات معتمدة، وهنا أرى إعادة تقييم كثير من المنازل التي تقع في مجاري السيول، وأن يتم إعادة النظر في توزيع بعض الأراضي في المخططات الحكومية والخاصة قبل البناء عليها، حيث إن كثيرا منها في بطون الأودية ومجاري السيول، ولقد نسي أو تناسى بعض الأفراد مالكي هذه المنازل، بل لم يتوقعوا؛ هطول أمطار نظرا لتأخر نزول الأمطار، لذلك تعمدوا البناء في الأماكن غير المناسبة، وبالقرب من الأدوية، وهنا يغيب دور الجهات المسؤولة عن مثل هذه المنازل.

وجاء المطر وعلقت مركباتنا في الشوارع، وزادت الحوادث المرورية، وزادت حالات الغرق، وهذه مجرد أمطار عابرة ولمدة محدودة، ولا أعرف ما سيكون عليه الحال لو كانت أمطارنا بشكل مستمر مثل أمطار كثير من الدول الأوروبية، والمدن الأميركية؟ تهطل في هذه الدول أمطار غزيرة، ولفترات زمنية طويلة، ولا يحدث عندهم ما نواجهه من خسائر في الأرواح أو الممتلكات، أو تعليق للدراسة، وقد يعود السبب في ذلك لوجود تصريف لمياه الأمطار والسيول بشكل يتناسب مع كميات الأمطار، وبمناسيب هندسية دقيقة.

لقد كانت الأمطار في الفترة الماضية بمثابة دروس من الواقع ويجب علينا أن نتعلم منها في تنفيذ مشروعاتنا، وصيانتها وهنا أرى أننا بحاجة لتكثيف البرامج التوعوية، والتحذيرية من الجهات المسؤولة، وبشكل مستمر، وألا تكون هذه البرامج مؤقتة أو موسمية، كما أوجه رسالة لوزارة الإسكان أن تختار الأماكن الآمنة والمناسبة لبناء الوحدات السكنية، أو للتوزيع بعيدا عن أماكن تجمع المياه، وبطون الأودية، نسأل الله أن يحفظ علينا وطننا، وأن يجعل أمطارنا خيرا وبركة.