كتبت ذات يوم هنا عن أن الكثير من القطاعات الحكومية حتى اللحظة غير قادرة على التجديد والابتكار والمبادرة، فهي رهينة لكل ما هو قديم، ابتداء بما يتعلق بكيفية كتابة الخطابات ونصوص العقود وطريقة كتابة الإعلانات وطريقة الرد على المراجعين عبر العبارات الشهيرة المنطوقة والمكتوبة، مرورا بآلية العمل نفسه القائم على كثرة الطلبات والشروط والتعقيدات والتأخير في الإنجاز وسوء الخدمات، وانتهاء بما يثبت أن هذه الجهات غير مهتمة مطلقا بتطوير الأنظمة والقوانين التي تناسب المرحلة التي نعيشها، ولهذا يستمر تذمر الناس وشكواهم من كثرة التعقيدات وكثرة الطلبات وقلة العمل وسوء الخدمة أينما ذهبوا.
ومما قلته أيضا في تلك المقالة إن العلة في معظم ما نشتكي منه داخل الإدارات الحكومية تكمن في افتقاد هذه الجهات للمبادرات التي تصنع جديدا وتحرك ساكنا وتفتح آفاقا وتشعل حماسا.
وقبل أيام اطلعت على حملة مزمع تنفيذها في إحدى البلديات تتعلق بالنظافة، وتمنيت من القائمين عليها أن يستبدلوا الكثير من الفقرات والخطوات التي استندت عليها فعاليات الحملة، إذ إن الكثير منها يتعارض مع أهداف الحملة ولا يتناسب مع رسائلها ولا يتوافق مع فكر المستهدفين منها.
ففي زمن اليوتيوب والواتس أب والتويتر والفيس بوك والكيك وغيرها من وسائل التواصل الاجتماعي المؤثرة، تصر هذه البلدية على طباعة عشرة آلاف بروشور من الورق ليتم توزيعها في الشوارع على الناس، متضمنة عبارات تدعو إلى الحفاظ على النظافة، وتصر أيضا على توزيع الآلاف من أقراص الـ(سي دي) على السكان بهدف توعيتهم بأهمية النظافة، فضلا عن بنود أخرى لا تتوافق مع المرحلة التي نعيشها والتي شهدت قفزات متتالية في وسائل الاتصال والتواصل مع الآخرين.
ولئن تجاوزت بعض الفقرات التي ينطبق عليها ما ذكرته في تلك المقالة حول وجود أناس ينسخون كل شيء قديم، كونهم غير قادرين على قراءة الواقع الذي نعيشه ومن ثم مواكبته واستخدام الوسائل والعناصر التي تتلاءم معه وتتلاءم مع من نستهدفهم في مثل تلك الحملة التوعوية، فإنه لا يمكن لي تجاوز تقليدية من يصرون على توزيع البروشورات في الشوارع ليساهموا، من حيث يعلمون أو لا يعلمون، في اتساخها، كونهم لا يجيدون التعامل مع عالم تويتر وإخوانه من وسائل التواصل الاجتماعي، أو بمعنى أدق لكونهم غير قادرين على تجاوز أوراق وملفات الماضي التي يستنسخون منها كل شيء، بدءا من خطاب المعايدة ومرورا بخطاب الإنذار وانتهاء بإعلانات التوعية وما تستلزمه الحملات من شروط وطلبات.
مثل هذه الحالة موجودة بكثرة في العديد من القطاعات الحكومية التي تصر على استخدام وسائل القرن الماضي في يومنا هذا، وتصر على مخاطبة جيل اليوم بعبارات وأساليب ما قبل ثلاثين عاما، وإذا ما دققنا أكثر على نماذج أخرى تحمل نفس هذا الفكر ونفس هذا المنهج في طريقة التعامل مع الناس سنعلم يقينا لماذا الكثير من استراتيجياتنا وما تحمله من أهداف تفشل وتأتي النتائج بخلاف ما كان منتظرا.