عندما نعيد نفس العمل وبنفس الخطوات وننتظر نتائج مختلفة فنحن نعاكس أحد قوانين الطبيعة التي توصل إليها آينشتاين قبل ثمانين عاما، ومن الحماقة أن نتوقع نتائج مختلفة عن تجاربنا السابقة.
في بداية القرن الحالي كانت المملكة تعاني من نقص شديد في أعداد المعلمين والمعلمات كما هو حاصل الآن من نقص في أعداد الأطباء والطبيبات، فتم اللجوء إلى حلول مرتجلة وغير مدروسة تتمثل في الإسراع بفتح كليات للمعلمين والمعلمات في كل منطقة حتى تجاوز العدد مئة كلية. كانت الكليات تفتح كما تفتح المدارس الثانوية، وكان الهدف هو تخريج أكبر قدر من المعلمين بغض النظر عن الكيف، ولم يوفّر لهذه الكليات أعضاء هيئة تدريس على قدر جيد بسبب وقوعها في أماكن نائية، فاضطرت وزاره التربية والتعليم وهي الجهة المشرفة على هذا المشروع في ذلك الوقت إلى تعيين كوادر معظمها من غير السعوديين الذين لم يتم إعدادهم بالشكل السليم، أو تعيين من تخرجوا من هذه الكليات للتدريس فيها لسد العجز. ولم يتم التفكير في الخطأ الفادح آنذاك، وها نحن اليوم نعاني من هكذا خطأ في كل منزل وفي كل أسرة، ويتمثل الخطأ في تخريج أجيال من المعلمين البعض منهم بمستوى ضعيف، ومن يشك في ذلك فعليه مراجعة اختبار قدرات كفايات المعلمين التي لا يتجاوز النجاح فيها نسبة 50%، ونتيجة لهذه السياسة زادت أعداد الخريجين بشكل غير مدروس حتى وصل بهم الحال إلى التجمع أمام مبنى الوزارة احتجاجا على عدم تعيينهم.
وها نحن نعيد نفس الخطأ وبنفس الخطوات، ومن الحماقة أن ننتظر نتيجة مختلفة، وما أشبه الليلة بالبارحة، فها هي وزارة التعليم العالي تتوسع في افتتاح كليات الطب في معظم مناطق المملكة، وأعتقد أنها وصلت إلى حوالي 35 كلية للطب، وقد تكون زادت قبل نشر هذا المقال. وإذا استمر الوضع كما هو فما هي إلا عدة سنوات ونشاهد الأطباء بمعاطفهم البيضاء يتجمعون أمام وزارة التعليم العالي أو وزارة الخدمة المدنية احتجاجا على عدم توظيفهم.
قرار افتتاح كليات للطب في أماكن نائية لا تتوفر فيها المقومات الأساسية، ولا البيئة المناسبة بكل عناصرها الأكاديمية والبشرية، ولا توفر البيئة المريحة لجلب أعضاء هيئة التدريس المتميزين الذين يفضلون المدن الكبرى التي يجدون بها مستشفيات تخصصية وبيئة مناسبة لمهنتهم ولأسرهم ووجود مدارس متميزة لأبنائهم وخدمات ترفيهية لعائلاتهم؛ يمكن اعتباره قرارا يحتاج إلى إعادة نظر.
الحماس لفتح كليات طب جديدة تتبع للجامعات الناشئة سوف ينتج عنه نقص واضح في الإشراف على هذه الكليات، فهل من المعقول أن تبقى جامعة الملك سعود بصفتها أقدم الجامعات تشرف على كلية طب واحدة مضى عليها أكثر من 50 عاما في الوقت الذي نجد جامعة ناشئة لم يمض عليها 3 سنوات تشرف على كليتين للطب وربما تصبح ثلاثا في المستقبل! هذه مفارقة يجب التوقف عندها كثيرا من قبل وزارة التعليم العالي. وإذا نظرنا إلى هذه الكليات من منظور التعليم الطبي نجدها تفتقر إلى الكثير من المعايير المطلوب توفرها، فهل يوجد أعضاء هيئة تدريس من الأطباء الاستشاريين المؤهلين للقيام بمهمة التعليم الطبي؟ وهل توجد كثافة بشرية في هذه المناطق النائية تسمح بوجود مرضى في المستشفيات الجامعية التابعة لهذه الجامعات؟ وهل سكان المناطق النائية لا يمانعون من دراسة بناتهم لمهنة الطب؟ وفي حال الموافقة هل توجد كوادر نسائية للقيام بهذه المهمة؟ وهل سكان هذه المناطق يثقون في المستشفيات الجامعية أو الإقليمية الموجودة أم أنهم يفضلون التوجه إلى المدن الكبيرة؟ ربما ينتج عن ذلك بقاء الكليات بدون مرضى وربما بدون أعضاء هيئة تدريس.
من يريد دراسة الطب فعليه أن يشد الرحال إلى كليات الطب العريقة في المدن الكبرى التي توجد فيها جامعات تمتلك الإمكانات المطلوبة لتخريج أطباء يتم إعدادهم بالشكل السليم. أما الحماس لافتتاح كليات طب في مدن صغيرة ومناطق نائية فهي خطوة تشكر عليها الوزارة ولكنها في حاجة إلى مراجعة شاملة قد تنتهي بدمج بعض هذه الكليات أو إغلاقها وتوجيه الدعم للكليات التي تمتلك البنية الأساسية حتى تتمكن من قبول المزيد من الطلاب مع الحفاظ على جودة المخرجات.