يوم السبت الماضي نشرت صحيفة الوطن مقالة للشيخ الفاضل السيد عبدالله فدعق بعنوان "المفطرات بين الحسم والتأجيل" ختمها بهذه الكلمات: يقول سيدنا سليمان بن موسى: "إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع عنك أذى الخادم، وليكن عليك سكينة ووقار، ولا تجعل يوم صومك، ويوم فطرك سواء".

العبارة "دع عنك أذى الخادم" يمكن ربطها مع الخبر الذي ورد في نفس العدد حول وفاة خادمة بالمدينة المنورة بسبب اعتداء كفيلتها عليها بالضرب المبرح، بجسم غليظ وحاد، وكذلك خبر امتناع لجنة الحماية الاجتماعية عن تسليم طفلة بعمر 3 سنوات لوالدها بعد إثبات وقوع عنف جسدي ونفسي عليها، إلى آخر هذه الأخبار التي نقرؤها في الصحف العربية عامة والمحلية خاصة بشكل يكاد يكون يوميا عن العنف تجاه الضعفاء كدليل على عدم الخوف من الله وعلى نزع الرحمة من القلوب، وآخرها خبر ورد في "العربية.نت" عن شاب مغربي قامت أسرته بحبسه في إسطبل للحيوانات مدة 6 سنوات لأنه يطالب بإرثه من والده!

تجدر الإشارة كذلك إلى مقالة الزميل إبراهيم الأمير "رسالة من لقيطة" في نفس اليوم لأنها تصب في نفس خانة نزع الرحمة، حول معاناة فئة اللقطاء في المجتمع، وحتى لو تمت كفالتهم من بعض العائلات فإنهم يعاملون معاملة أقل من الأطفال الآخرين، عدا أن رعايتهم تغدو مشكلة بمجرد دخولهم سن البلوغ؛ من حيث الاعتداء الجنسي عليهم – غالبا عليهن- أو من حيث التقيد باللباس والتغطية، وليت الفقهاء الأكارم يجدون للقطاء وللأيتام المكفولين مخرجاً من الحرج، فهم أحق بفتوى الإرضاع – وهم أطفال - من غيرهم كي يعتبروا من نفس نسيج الأسرة حتى لو لم يأخذوا نفس اللقب العائلي.

لماذا بعض الناس يتميزون بقسوة لا مثيل لها؟ لا شك أنها الوراثة والبيئة والتربية والثقافة، فهذه المجرمة التي قتلت خادمتها، قد تكون غضوبة بالوراثة وعصبية بالتربية، لكن البيئة العامة تتيح لها أن تستقوي على الخادمة، مع غياب القانون الذي يساوي بين الخادم والمخدوم، والكفيل والمكفول، والقوي والضعيف؛ وبيننا من يمانع الأخذ بقوانين حقوق الإنسان بحجة أننا نطبق الشريعة الإسلامية فعن أي شريعة إسلامية يتحدثون؟ وأين حق هذه المظلومة؟ أقل عقوبة يجب أن يتم إيقاعها بالمجرمة هي القتل الشبيه بالعمد، وليس القتل الخطأ، الذي يحصل نتيجة خطأ غير متعمد، أما هذه المجرمة فقد قصدت العنف لدرجة استخدام آلة حادة كما ورد في الخبر.

سؤال آخر يُطرح أيضاً حول معاملة الأيتام واللقطاء، فاللقيط يعتبر كاليتيم إن لم يكن حاله أسوأ؛ فعلى الأقل اليتيم يعرف نسبه، ويكون فاقداً لأحد الوالدين غالباً وليس فاقدا لكليهما كما هو حال اللقيط، وإذا تذكرنا الآية الكريمة: "ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم" فإننا نفهم الأسلوب الذي كان تتم به معاملة الأيتام، وهو أسلوب يقوم على التحرج من مخالطتهم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوة لأصحابه بالرفق بالأولاد عموماً وبالأيتام وأمثالهم خصوصاً، لدرجة أنه كان يعدّ زيدا ابنه قبل أن يلغى التبني، وكان أسامة بن زيد يلقب بـ"حِبّ رسول الله"، وأم أيمن هي حاضنة الرسول عليه الصلاة والسلام وهي أم أسامة كانت تعتبر كأنها واحدة من أهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ينظر إليها كخادمة، وكانت عائشة رضي الله عنها تساوي بينها وبين خادمتها، وهي التي نبهتها أنها تصدقت بكل شيء من الهدية التي أتتها ولم تبق شيئا لإفطارها، وأبو ذر كان يلبس خادمه مثل ثوبه، ويذكر حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "هم إخوانكم وضعهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم وليلبسه مما يلبس".

رمضان على الأبواب، وإذا نظرنا إلى الثقافة التي تحوطنا في رمضان، وجدناها ثقافة الطعام وليست ثقافة الصيام، والقول الحكيم الذي اقتبسته من مقالة الشيخ فدعق هو: "لا تجعل يوم صومك وفطرك سواء" فنحن نجعل رمضان مختلفاً عن باقي الشهور، لكن بشكل آخر لا يمت إلى مقصد القائل بشيء، فيبدأ رمضان قبل شهر بتسوق يشبه شراء "المفجوع" الذي لم يذق طعم الطعام منذ عام، أو كأن مجاعة سوف تجتاح البلاد في هذا الشهر، أو تجد شيئاً أشبه بالنفير العام في الأسواق، وأبسط مثال هو أن الأسرة التي كانت مشترياتها ملء عربة تسوق شهريا قبل رمضان تصبح تملأ عربتين على الأقل، ويتحول نهار رمضان إما إلى نوم أو إلى وقوف في المطبخ لساعات، ويصبح ليل رمضان حركة دائبة في الفكين، وطحنا مستمرا بين الضروس، وسهرا أمام التلفاز، إلا من رحم ربي، ولا تجد المرأة العاملة وقتا لعبادة تستروح بها القلوب، وبدل أن يكون شهر رمضان شهر القرآن والتراويح والإحساس بالجائع، يصبح شهرا للسهر والتخمة وقسوة القلب.

عودة إلى مقالة الشيخ فدعق، فقد أشار في مقالته إلى الفتاوى التي تبيح الفطر لأسباب متعددة، غالبيتها طبية، وهو يطلب الحسم في أمور أخرى، ومن البديهي أن الرأي الفقهي يجب أن يعتمد على الرأي الطبي، فإذا كانت التحميلة المهبلية لا تفطر فلماذا تفطر التحميلة الشرجية مثلا حتى لا يحسم أمرها إلى الآن؟! وبما أن الشيء بالشيء يذكر فإن هذه الفتاوى ذكرتني بفتوى المفتي - حفظه الله - والذي يبيح الإفطار لمريض السكر إذا كان مضطرا لأخذ دوائه، وأنا أتفهم أن تكون هذه الفتوى شفقة على العباد، لكن يجب أن أذكر أن نسبة عالية تصاب بالسكر بسبب البدانة، وشخص مثل هذا يجب أن يصوم ويتعلم كيف ينزل وزنه ويتحكم بشهواته، فإذا لم يكن رمضان شهر التحكم بالنفس وتقوية الإرادة والشعور بالجائع والمحروم فماذا يكون؟!