يحار المهتم بالأدب والنقد في أسباب استمرار بعض الممارسات النقدية، التي لم تعد ملائمة للنص الحديث، مما يجعل "المقاربات" تتحول إلى "اعتسافات" متراكمة، ثم لا يخلص الناقد إلى نتائج حقيقية، على الرغم من أنه يحاول إيهام نفسه بذلك من خلال صنع الجداول الإحصائية، أو فرز النتائج على شكل نقاط ذات دلالات مباشرة، لكنها - في جوهرها - خاوية على حروفها.

ومما استمر الاهتمام به في الدراسات الأكاديمية التي تتناول النص الشعري الحديث، دراسة المطالع، برغم أن المجددين يكتبون القصيدة الموزونة في شكلها التفعيلي، مما يجعل المطلع مفهوما وخصائص يختلف عنه في القصيدة العمودية، حتى إنه يذوب في المقدمة، فلا تعود له تلك الأهمية الموسيقية المعتادة في الشكل التقليدي، ولا يصبح المطلع بيتا مستقلا ذا موسيقى صاخبة، ومعنى مختارا، وصورة منتقاة، وإنما يصبح أسطرا عديدة، تمتد – أحيانا – لتكون مقطعا كاملا، وربما فسر هذا البناء الجديد عدم اهتمام قلة من النقاد المعاصرين بالمطالع، مقارنة باهتمامهم بالعنوانات والمقدمات؛ فالعنوان الفني صار يغني عن المطلع، والمطلع أصبح جزءا من المقدمة، وهو ما يبدو أن بعض الباحثين العرب يميلون إليه، حتى عند التعامل مع القصيدة العربية القديمة، وذلك اعتمادا على نشوء مصطلح المقدمة، الذي بات يتناوب مع مصطلح المطلع ليدلا على معنى واحد، ومن أولئك الدكتور حسين عطوان في كتابه: "مقدمة القصيدة العربية في الشعر الجاهلي"، حيث لم يعمد إلى التفريق بين المطلع والمقدمة، وكأنه يراهما شيئا واحدا.

الأقرب إلى طبيعة القصيدة الإيقاعية الجديدة هو أن يكون النظر إلى المقدمة والمطلع بوصفهما شيئا واحدا، لأن المطلع صار يعني الفكرة الأولى في القصيدة، سواء أكان سطرا واحدا، أم أسطرا عديدة، وربما غاب مصطلح المطلع، وناب عنه مصطلح المقدمة.

وفي المقابل، تكون إذابة المطلع في المقدمة، عند التعامل مع الشعر العربي القديم، ومع القصيدة العربية الحديثة في شكلها العمودي، غير موفقة، لما هو معلوم من وعي الشعراء – في كل عصر - بأهمية المطالع، وحرصهم على تجويدها، لتتميز وتثبت في الأذهان، وتجذب الأذن إلى ما يأتي بعدها، وكل تلك أسبابٌ تجعل من دراسة المطلع دراسة مستقلة عن المقدمة مهمة، وتجعل من دراسة المطالع بوصفها الفكرة الأولى في القصيدة التفعيلية ملائمة لطبيعة القصيدة الجديدة، لأن الجهد الفني للشاعر صار منصبا على خلق مقدمة غير مسبوقة، تأخذ بتلابيب وجدان القارئ وعقله إلى عمق القصيدة، عوضا عن أن تسرق سمع السامع.

النص يسبق.. يتجاوز.. يذهب إلى الأفق الأقصى، فهل تلحق به النظرية؟