في عصر الفضاء المفتوح هذا؛ لا أظن أحدا منا يستطيع أن يصمد 10 دقائق أمام برنامج تلفزيوني يبث على قناة رسمية.. أيا كان هذا البرنامج.

شخصيا وعند مشاهدتي للقنوات الرسمية العربية أشعر أنني في مجلس، أو ديوانية، مثلما أشعر بالعزلة عن العالم الآخر.. أعرف مثلا أسئلة المذيع قبل أن يحاول التخلص منها ليرميها على ضيفه.. كما أحفظ عن ظهر قلب تلك العبارات الفخمة والرنانة في نشرات الأخبار، والمصحوبة بموسيقى كلاسيكية تتسرب إلى داخلي لتترك أثرا يشبه التنويم المغناطيسي، وإن قاومتها فإن فمي يصبح آلة للتثاؤب.. أحفظ أيضا برامج الحفلات والمهرجانات التقليدية، وعروضها التمثيلية المكررة، ولغة الخطاب الإعلامي الصامدة أمام قوانين الزمن، والتي ما زالت تعمل منذ سبعينات القرن المنصرم. حتى كبار السن لم يعودوا أسرى لهذه القنوات وبرامجها الرتيبة والمنمطة، بعد أن كانوا يستمتعون حتى بإعلاناتها التجارية قديما.. أصبح "الريموت" في يد "الشايب"، يتنقل بين القنوات كيفما شاء، بل ربما استقر به المطاف في نهاية جولته الفضائية على مسلسل تركي أو برنامج وثائقي في إحدى القنوات الخاصة.

لكن؛ لنذهب بعيدا عن فضائنا العربي الرسمي، ولنتجه إلى نظيره الغربي.. عندما تشاهد مثلا برنامج الحياة والمجتمع على قناة DW -صوت ألمانيا- فإنك تتجول في عدد من المدن لتطلع على تاريخ بعض القرى والأحياء والمقاهي هناك، ليس في ألمانيا وحدها، بل في أوروبا كلها، كما تتجول في بعض المتاحف والمنازل والكاتدرائيات لتتعرف على الإبداعات الهندسية والفنية في مجال العمارة، أما فقرة صنع في ألمانيا، فإنها تسلط الضوء على قضايا الاقتصاد الألماني والتحديات التي تواجهه وعلاقته بالأزمة المالية العالمية، ودور ألمانيا الاقتصادي فيها..

ليت الأمر يقف عند المحتوى فقط، بل إنك تشعر عندما تشاهد استديوهات القناة أن نخبة فناني أوروبا قاموا بتصميمها.. ألوان مريحة، ومساحات بيضاء هادئة.. أما المذيعون فتستطيع أن تعد أسنان أي منهم، لأن وجوههم مبتسمة على الدوام.

تشعر بالحياة عند مشاهدة مثل هذه القناة، لأنها خليط ثقافي، امتزج فيه الفن بالفكر وبالمال.