كثير منا يستنكر مبدأ (مكيافللي) الشهير: "الغاية تبرر الوسيلة" والذي يقتضي بأن الهدف السامي والنبيل يضفي صفة المشروعية على السبل والوسائل مهما كانت ظالمة أو غير أخلاقية طالما أنها تؤهل للوصول إلى الهدف المطلوب.

لا شك بأن الخوض في نقاش مبدأ (مكيافللي) اليوم لا يجدي فتيلا، فقد أشبع دراسةً وتحليلا، وكل ما يهمنا هنا بصورة رئيسية هو التحدث عن حالة ومشكلة تعاني منها ثقافتنا الراهنة.

فإذا كان الاعتراض على أن الغاية تبرر الوسيلة، فإن المشكلة في حقيقتها هي أن الوسيلة أصبحت غاية في ثقافتنا اليوم، فأصبحنا نركز على الوسائل والتفاصيل ونترك الأهداف والغايات، وبعبارة أخرى نتمسك بالقشور ونترك الجوهر والمضمون.

لقد اختلطت على الناس الأهداف والوسائل، فأصبحت الوسائل أهدافاً في ذاتها، الأمر الذي انعكس بالسلب على مظاهر حياتنا في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية، فقد انعدمت الرؤية الإستراتيجية لكثير من مشاكلنا، فأصبحنا لا نفرق بين المشاكل السطحية والحقيقية التي يعاني منها مجتمعنا، وبالتالي لم نستطع حلها ومعالجتها أو حتى التخفيف من آثارها السلبية.

لا أعلم في الحقيقة السبب الذي يقف وراء اهتمام الناس بالوسائل وإغفال الأهداف، هل هو يكمن في حب الناس للمجادلة كطبيعة بشرية أم أن السبب هو الكسل في بحث ودراسة المشكلة ومن ثم إيجاد الحلول لها، أم هي الأنانية والمصلحة الشخصية وعدم الاكتراث بقضايا الوطن الحساسة؟ أم أن العلة تكمن في منهجية التعليم والتي اعتمدت على التلقين والحفظ سنوات طويلة، ومن ثم قضت على التفكير والإبداع في عقول الناشئة؟

ولتبيان المسألة أكثر، أطرح بعض الأمثلة البسيطة على ثقافتنا السائدة في الاهتمام بالتفاصيل والوسائل وتحولها إلى أهداف وغايات، وذلك على النحو التالي:

• لنأخذ على سبيل المثال الجدل الدائر حول اختلاف الفقهاء على بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بكشف أو تغطية وجه المرأة، فقد انشغل الناس بالاستدلال بالأدلة النقلية والعقلية في إثبات جواز الكشف أو وجوب التغطية، في الوقت الذي أهملوا فيه الهدف الرئيسي من فرض الحجاب على المرأة، وهو حمايتها من الأذى والتحرّش الجنسي، كما جاء في قول الله تعالى: {ذَلك أَدنى أَن يُعرفن فلا يُؤذيْن وكان الله غفورا رّحيما} الأحزاب59.. والمرأة قد تتعرض للأذى، سواء كانت كاشفة للوجه أو متغطية، وبالتالي يستوجب الأمر وجود تشريعات وقوانين رادعة للمتحرشين بالنساء مع وجود آليات مناسبة لتطبيقها، كما تقوم الجهات المختصة بدورها تجاه التقليل من هذه الظاهرة، وجميع هذه الأمور تدخل تحت إطار "الحجاب" الوارد في الآية الكريمة، ولكن للأسف تجاهل الناس ذلك.

• تجادل الناس كثيراً حول طبيعة أعمال المصارف والبنوك التجارية وانشغلوا في نقاش القروض والفوائد البنكية، في الوقت الذي أهملوا فيه الهدف الأساسي من إنشاء البنوك وتقديم الخدمات المالية للسكان ودورها في الاقتصاد الوطني، لذا لا عجب أن نرى خدمات مصرفية سيئة مقدمة للناس، فنحن لم نهتم بالأهداف.

• ثار البعض على المبادرات التي طرحها بعض المهتمين بشؤون المرأة، وخاصةً فيما يتعلق بقضايا العنف ضدها (مبادرة الشريط الأبيض)، فقالوا: "هؤلاء يريدون هدم الثوابت الإسلامية من خلال إلغاء قوامة الرجل وإلغاء تعدد الزوجات وتغيير ميراث المرأة..إلخ"، ولكنهم نسوا أن لقوامة الرجل والتعدد والإرث قواعد وشروطا وأهدافا رئيسية وردت في القرآن الكريم في عدة مواضع، كان من المفترض أن تكون في شكل أنظمة وقوانين مكتوبة، لذا لا نستغرب من وجود من ينتهك هذه الشروط ويمارس الظلم والعنف ضد المرأة باسم الدين والشريعة، فليس هناك من رادع يردعه، وليس من المستغرب أيضاً أن تبقى مشاكل المرأة دون حلول أو معالجة.

• يشتكي الناس من سوء الخدمات المقدمة من بعض الجهات الحكومية، وأحد أسباب سوء الخدمة في رأيي يتمثل في وجود تلك الثقافة السائدة في المجتمع، وهي تحول الوسائل إلى أهداف، فبعض الجهات ليس لها أهداف، وإن وجدت فهي غير واضحة وغير محددة، والبعض الآخر، للأسف، يضع الوسائل كأهداف إستراتيجية! كما أن هذه الثقافة أدت إلى تعطيل بعض القرارات الحكومية الإستراتيجية والمهمة، والسبب الدخول في تفاصيل بيروقراطية ليست ذات أهمية أدت إلى تعطيل القرار برمته ودون أدنى مسؤولية، وبعبارة أخرى فإن الإدارة لدينا هي إدارة بالإجراءات (الوسائل) وليست الإدارة بالأهداف (الغايات)، وقد درج العديد من مديري الإدارات الحكومية في الرقابة على الموظف والإجراءات مع إهمال النتائج، ولا عجب في ذلك، لأن المدير والموظف هما وليدا ثقافة المجتمع.

• في بعض الأجهزة الرقابية عندما تمارس بعض مهامها على الجهات الحكومية الخدمية تدخل في التفاصيل وتترك تقييم الخدمة نفسها (الهدف)، فمثلاً عندما يتم تقييم الخدمات الصحية نجد التركيز يتم على الإعاشة والصيانة والنظافة في المستشفى ولا يتم تقييم الخدمة العلاجية المقدمة للمرضى.

مما سبق، آمل بأني استطعت إيصال الفكرة إلى القارئ الكريم وتسليط الضوء على تلك الظاهرة المتجذرة في ثقافتنا الاجتماعية، وكما ذكرت آنفاً يصعب تحديد أسبابها وأبعادها، ولعل المختصين وعلماء الاجتماع يفيدوننا في كيفية علاج هذه الظاهرة ومعرفة أسبابها، ولكن على المستوى الشخصي يجب علينا عند مناقشة مشاكلنا وممارسة أعمالنا أن نضع نصب أعيننا الهدف والغاية، ثم نبحث وندرس الوسائل المشروعة والمناسبة لتحقيقها، وأن نفكر دائما في الحلول التي يطرحها الآخرون ونستفيد منها، وأن نسأل أنفسنا دائما، كما يقول (دركر): "ما هي المشكلة بالضبط؟ وما الخطأ الذي حدث، حجمه وتأثيره ومداه.."؟ وقد حان الوقت أن نعلم بناتنا وأولادنا في المدارس والجامعات السؤال دوماً: "ما الهدف ولماذا وكيف"؟