ومن أجل عيون الذين يتهمونني على الدوام بأنني مجرد عين اصطياد للنقاط السوداء في الثوب الأبيض، سأكتب اليوم للبرهان أن في هذا (الوطن) من الصور الرائعة ما يدفع للتفاؤل بشرط الإخلاص والنزاهة. خرجت منتصف ليل الأربعاء في غاية السعادة بعد زيارتي لأجنحة العناية المركزة في مستشفى عسير المركزي في مبناها الجديد وثوبها الأخاذ المختلف. قلت للأخ الدكتور، عبدالله عوضة، استشاري العناية المركزة، إن أجمل ما تفعله الأوطان لأبنائها ليس إلا أن يشعر المواطن الكريم أن له مكانا لائقا يحترمه في أحلك مراحل الحياة وأن يشعر أهله وذووه أنهم قد أخذوه إلى المكان الذي لا يبقى في النفس شيء من (حتى ولو). هذا هو الجيل السعودي الجديد القادم المختلف. هو وطني كما أتخيله ولو في لقطة تبرهن أن الاستثمار في الإنسان هو ذروة سنام التنمية الوطنية. بروح هؤلاء الشباب تضاعفت أسرة العناية ثلاث مرات في ضربة واحدة، وبعلمهم أيضا يرقد المريض ومِن حوله أحدث ما في هذا الكون من أجهزة بكلفة مليوني ريال حول السرير الواحد. دعوني أذهب لتقريب المثال عن الاستثمار في الإنسان لأقول لكم مثالا، إن كلية الطب في أبها، كانت أروع المشاريع في كل تاريخ هذا (الجنوب) التنموي. من بنى وأشرف على كل تفاصيل ما شاهدته مساء ما قبل البارحة هم بضعة رجال كانوا يوما من طلاب هذه الكلية. هم من يدير هذه المنشأة الضخمة ويرأس كل الأقسام، ومن يتولى مسؤولية كل العمليات الجراحية. خريجو هذه الكلية هم من يشرف على إدارة المدينة الطبية القادمة، وهم باختصار العمود الفقري والعصب الجوهري للقطاع الصحي في مناطق هذا الجنوب الأربع. حتى في القصة الشخصية: طالب هذه الكلية القديم هو الاستشاري الذي أجرى لأم أولادي عمليتين في شهر واحد في مشفاه الخاص بعد أن ذرعنا من قبله عشرات العيادات بلا نتيجة. طالب الكلية القديم الآخر، هو الاستشاري الذي قرأ على بيانات الأشعة المقطعية، وهو نفسه الأستاذ الذي بدأ يشرح هذه البيانات لجيل جديد من أطباء برنامج الزمالة من خريجي هذه الكلية. كلية الطب في أبها هي (العلم) المرفوع فوق كل قرية كلما احتفلت بطبيب جديد من أبنائها، وعلى مسؤوليتي، هي الاستثمار الإنساني الذي لا تكاد تخلو منه اليوم في هذه (العسير) أسرة واحدة. أسرتي الصغيرة كمثال تحتفي هذا العام (بالعلم) الثاني عشر، ولا زال أمامنا بضعة أعلام بجوار السارية على الطريق. تخيلوا: كل جنوب هذا الوطن بدون مثل هذه الكلية.