• تصادف أن عابرا كان يمشي على أحد جانبي الوادي، بينما كانت روائح أشجار الطيب والدلاء تضفران طرفي خيوط مدلاة من مناديل الفتيات على الضفة الأخرى. هتف الغريب ملقيا التحية ببهجة. القرية كلها انتبهت، حتى إنه ما من جذع أو هيببة، فتوة أو كحل لم تجب التحية. ليلا كانت لمعة السراج تبرق في جبهة الغريب، والأهالي حوله، ضيفوه ثم راحوا يسألونه عن قصائد الأرض التي جاء منها!.

• قال لهم إنه ضائع ولا يعرف أين هي أرضه، لكن خيولا تحت تلك الناحية من النجوم، تحب القصائد أكثر مما تحب الصهيل. سألوه عن شكلها، أخذ عودا من فتات الحطب، وخط في الطين نصف دائرة، وعلى حدها رسم قوارب ورجالا. قال؛ وأنا في طريقي مررت من هناك، من البحر، وهذه المراكب التي ترونها خيل.. والرجال صهيلها. صفقت النسوة حينها، أما الشبان فقد كانت الكلمات تبرق في أعينهم. أحبوا الرسمة، وأحدهم قال: "لكنك لم ترسم الأشجار.. الأشجار أينها"! خفق قلب الغريب..

• قبل أن يقول أو يرسم حكاية أخرى، تكلمت امرأة كانت تجلس في المنتصف "يا ضيفنا.." أرخى الجميع آذانهم بدهشة، كانت نحيلة ولها عينان صافيتان، حتى إنه يمكن أن تُرى حركة ضوء السراج فيهما عن بعد، وكانت عادتها أنها لا تتكلم إلا نادرا، لكنها إذا قالت شيئا يصغي الكبار والصغار لها بترقب، وكانت كلما بدأت في عبارة زمّت عينيها، وكأن شيئا ما يعبر أمامها، وتراه وحدها، دون أن يراه أحد. قالت هذه المرأة، موجهة كلامها للضيف العابر؛ "غنّ لنا". التفت الأهالي لبعضهم، ودارت همهمات صغيرة، قاطعتها المرأة بصوت متهدج؛ "غنّ لنا"..

• راح الضيف يغني برقة بالغة، وسرت في نصف الضوء والأجساد رياح عذبة. كان صوته أخاذا، وغنى ثلاث مرات، وكان قبل أن يبدأ أية أغنية يستمر يلوّل "يالالا لالا لالاه" لوقت. كانت أغنيته الأولى عن ألوان الطيور والقصب، والثانية كانت عن المطر والسواعد، أما أغنيته الثالثة فكانت عن الأحلام والخلاخل.

• حين انتهى وقبل أن تصفق النسوة وتبرق أعين الشبان، قالت المرأة نفسها؛ "لتبق عندنا، لك مثل قلوبنا. سنبني لك بيتا قريبا من النبع، ونعطيك حقلا ومجرفة وخرافا. أما الأشجار وأسماء الغدران فستعرفها إذا أحببت أكثر.. وغنيت أكثر". وتدافعت أصوات الأهالي "نعم.. نعم".