يبدو أن الحس الجمالي لدى بعض بلديات المدن والمحافظات في المملكة، وصل لدرجة غير مسبوقة في العالم، حيث يعرف الجميع حتى الأطفال أن الأشجار والحشائش "الجمالية" لا تنمو إلا في تربة صالحة للزراعة. لكن إبداعات "خبراء" ومهندسي هذه البلديات جعلت حتى "الإسفلت" الذي لم يمض على إنشائه سوى أسابيع، مكانا صالحا لزراعة النباتات التي أضفت عليه طابعا جماليا لا يمكن أن تراه في أي مكان سوى في طرقاتنا خصوصا تلك التي تشق القرى ولا تسمح إلا بعبور سيارة واحدة فقط. وهذه حكمة أخرى من حكم مهندسي البلديات، الذين يحرصون على بقاء هواء القرى نقيا، من خلال تقليل عدد السيارات المارة، بل إن معظم هذه الطرق تمنع الشاحنات والسيارات ذات النقل الثقيل من المرور لأنها من الملوثات الكبيرة للجو ولا نملك هنا إلا القول "حفظ الله بلدياتنا ومهندسيها على حسهم الوطني والبيئي العالي". أما الدعوة الأهم فهي "أعان الله مواطني القرى والمدن على حد سواء ونصرهم على كل فاسد ومفسد".

وبمناسبة "الإسفلت الأخضر" - إن صحت التسمية- أتمنى أن نجد فتوى رسمية ليست من شيخ علم ولكن من "شيخ بلدية"، حول ماهية المادة الجديدة التي ترصف بها شوارعنا حاليا، والتي يدعونها "إسفلت" مع أنها لا تحمل من صفاته إلا شبه بسيط في اللون، حيث إنها في رقة القطن وحساسية التراب لأي قطرة مطر، وبالتالي تتحول إلى غابات خضراء تسر الناضرين، وتولد الحسرات لدى أصحاب المركبات. لكن من ميزاتها "الإيجابية" التي لا يمكن إغالفها أنها تعزز الاقتصاد الوطني، فهي تمنح المقاولين فرصا متساوية في المناقصات، فمن فاته تنفيذ الطريق خلال هذه الأيام، فلا يحزن لأنه سيقوم بإعادة رصفه العام المقبل، فمدة الصلاحية لا تتجاوز عدة أشهر.

قد يقول قائل إن المشروعات البلدية لا ترسو إلا على شركات قوية وقادرة على تنفيذها "حسب المواصفات العالمية" وهي العبارة التي صُدعت بها رؤوسنا منذ عشرات السنين، قبل أن تتصدع شوارعنا. وأقول إن "الفساد العلني" الذي أصبح يمارس دون خجل بل و "الرأس مرفوع"، والمتمثل في مقاولات الباطن. جعل معظم الشركات التي تفوز بالصفقات والمناقصات لا تعرف ـ حتى مجرد معرفة ـ المكان الذي استلمت مشروعه، بل أجزم أن أقدام السادة مهندسيها "الأعزاء" لم تطأ مكان المشروع، فمن سيقوم بالعمل على أرض الواقع هم نتاج "تجارة البشر" ـ حسب وصف رجل الأعمال الدكتور عبدالرحمن الزامل ـ الذين يأتون بآلاف التأشيرات المفتوحة، فهم من يتعلم في رؤوسنا وفي طرقنا، حتى إن بعض هؤلاء يعترف أنه لم يعمل في حياته في شق طريق ترابي فما بالك بطريق مسفلت.

التساؤل الآن: ألا يحق لنا كمواطنين محاكمة بعض البلديات والأمانات على هذا الفساد العلني؟. ألا يحق لنا محاكمة المهندسين الذين يوقعون على استلام هذه المشروعات المهترئة، التي ينفذها غير أصحابها الفائزين بالمناقصات، تحت نظر البلديات وبمباركتها و "على عينك يا تاجر"؟