كل نتاج لا يتأسس على الواقع فهو نتاج مبتور وثمرة منعتقة عن غصنها، وهكذا هو حال الإبداع، فالمبدع ما هو إلا قارئ لواقعه ومتأمل في بنيته وتشكلاته الأولية واللاحقة، الأمر الذي يحيل إلى استكناه ما وراء الأفق والتطلع إلى تلك الثيمة الجمالية المبتغاة، ولقد جاءت المدارس الأدبية على توصيف ما يرزح تحته فكر وعقل المبدع، فبدأت المدرسة الكلاسيكية مقاربة للواقع ومحكمة للمنطق السائد، خاصة وفترة نشوئها تمثل إرهاصا للدخول في عصر النهضة الذي اعتمد العلمية بعيدا عن التهويمات وما تمليه فضاءات النفس والمشاعر الخاصة، فكان أن دلف الأدب في العالم إلى مداءات منطقية لا تقبل التحليق أبعد من حدودها.
إثر ذلك، وانقلابا على ما هو مكرّس، كان للمبدعين أن يذهبوا – وحق لهم - مذاهب أخرى في النظر إلى الحياة، فانطلقوا من ذواتهم المكلومة مستلهمين ما ادخرته لهم الطبيعة من أخيلة الجمال والألم واللوعة والانكسار، فانزووا في عوالمهم اللغوية والفكرية ليؤسسوا لمذهب جديد جعلوا القلب فيه مكان العقل، والعاطفة بديلا عن المنطق، لتولد الرومانسية محاكية ما يعيشه المبدع من انكسارات، ناهلين من فصل الخريف ذبول أوراقه وتساقطها. يقول إبراهيم ناجي، وهو أحد رموز هذه المدرسة:
يا ساعة الحسرات والعبرات
أعصفت أم عصف الهوى بحياتي؟
ما مهربي؟ ملأ الجحيم مسالكي
وطغى على سبلي وسدّ جهاتي
من أي حصن قد نزعت كوامنا
من أدمعي استعصمن خلف ثباتي
"رومانيوس"، وهو الاسم الذي اشتقت منه الرومانسية دلالتها، يحضر من جديد الآن في حالة من التمظهر المريع، فما ينطبع على نفوس الأدباء والمبدعين اليوم مما يشاهدونه من ويلات الحروب والقتل والتدمير وتناثر الدماء والأشلاء كفيل بأن تكون الغربة ومشاعر الخوف وعدم الثقة في من كانوا يصدحون بأحلام الحياة الكريمة والمستقبل الأفضل والأجمل للبشرية ماثلة جلية.
إن ما يحدث في الحراك المسرحي العربي في الآونة الأخيرة من طغيان السوداوية والركون إلى السخرية من الواقع، والإسقاط على كل الأسس والمبادئ لتبيان ناصع على خذلان تلكم الأجندات التي كانت يوما أيديولوجيات سياسية يبشر بها الساسة ويخدرون شعوبهم بها حتى إذا ما تكشف الأمر وانزاح الستار عن الزيف الكامن أعمل أولئك آلة القتل وسياط القهر والجبروت، كما يحدث الآن في سوريا البلد الذي احتضن الرومانسية وليدة، ومن خلاله انتشرت في كل أوطان العرب وعلى ألسنة شعرائه الهائمين بها.