لم أكن أتوقع أن مجرد ركوبي رحلة اللوفتهانزا 943 المتجهة إلى الكويت بتاريخ 19 مايو، ستكون بداية نقطة تحول في حياتي العملية بشكل خاص.
لم يكن هذا التحول في جدول الرحلة إطلاقاً، بالأحرى نقطة التحول المجدولة كانت لشخص آخر،
لكن يبدو أن التغيير معد كالتثاؤب، عندما يتثائب أمامك شخص؛ لا شعورياً تقوم أنت بالتثاؤب أيضاً.
وهنا أريد أن أقف أمام مشهد أراه منتشرا عند البريطانيين، ألا وهو سهولة التنقل وتغير المكان والمستقبل المهني، بل يعتبرونه صحيا وطبيعيا، لكن نحن نخاف التغير ونجد الأمان في الروتين.
لماذا البعض منا يرفض التغيير بشكل عام في أغلب أمور حياتنا؟ بل إن أمثالنا تعزز هذا الشيء لدينا، من بداية "امسك مجنونك لا يجيك أجن منه" إلى "شين تعرفه.. أحسن من زين ما تعرفه"، لماذا نضطر إلى التمسك بشخص مجنون ولماذا نضطر لقبول "شين" من شخص لمجرد أنه "معروف لدينا"؟!
لماذا التغيير يرتبط بالأسوأ دائما.. ولماذا نخافه؟
قال سبحانه وتعالى: "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" (72) سورة الأحزاب.
فالجهل هو من أهم وأقوى الأسباب التي تجعلنا نقبل الواقع ونرفض تغيره، وهنا أقصد (جهل الأمر يعني خفي عنه)، فالقادم على التغيير يخاف على المكاسب والإنجازات والنجاحات التي حصل عليها، يخاف على العلاقات التي استطاع أن يبنيها، وما يترتب على التغيير من اختلاف مع الآخرين أن يتسبب في سوء العلاقة مع الناس، لذلك من يقدم على المعارضة يحتاج لقدر عال جداً جداً من الثقة بالنفس والقوة في الشخصية لتساعده على تخطي هذه العقبة، ويخاف أن يكون غير قادر مادياً أولا توجد لديه مصادر أخرى تعينه مادياً.
إذا فكر الكل بهذه الطريقة لذهب إلى التغيير، فجميع الأسباب التي ذكرتها تدعو إلى ذلك. عندما قررت هذه الأيام التوقف عن التعليم وعدم إتمام درجة الدكتوراه قبل أن يتم قبولي في السلك الأكاديمي، ذلك بسبب تعنت الجامعات الذي تناولته أكثر من مرة وفي أكثر من مقام، يكون من الحمق أن أحصل على درجة الدكتوراه ثم أضعها في الدرج، وبدلا من أن تكون عوناً لي على تصاريف الحياة ستقف عثرةً في طريقي.
فالتغيير هنا منطقي لوجود جهل في المستقبل لأنني لا أعلم أي جهة يمكن أن تقبلني بدرجة الدكتوراه التي هي درجة أكاديمية بحتة غير مرحب بها في سوق العمل، وخوف على المكاسب والإنجازات التي حققتها، ولله الحمد منها تمكني من توثيق دور المرأة في العمارة في منطقة الجنوب من خلال الفيديو الوثائقي والمحاضرات والكتابات باللغة العربية والإنجليزية، بالنسبة للخوف على خسارة العلاقات مع الناس أتوقع أنني بنيت جسراً من الثقة والمودة بيني وبين أغلبهم، وبإذن الله لن ينقطع.
أعلم أن هناك إحساسا بالألم عند القيام بأي نوع من أنواع التغيير، بالذات إذا كان هذا التغيير فكريا أو يتعلق بفهم مغاير للدين أو كذلك للعادات والتقاليد، لكنه إحساس سريع التبخر ويحل محله تفاؤل وأمل ورغبة في العطاء، لأن هذا التغيير سيغير نظرتك للحياة ورؤيتك للأمور، لتعيد حساباتك في جميع جوانب حياتك.
أتمنى أنه بقراءة مقالي هذا تنتقل إليكم عدوى التغيير الذي لا عمر له.