كم من البشر جلسوا ليشاهدوا ثمار التفاح وهي تسقط على الأرض في منظر رائع، ولكن إسحاق نيوتن تفرد بأن فكر في كيف تسقط الثمرة إلى الأرض، فاكتشف قانون الجاذبية الأرضية! وهذا هو الفارق بين الإنسان العادي وبين المخترع والمفكر، فالمخترع هو عملة نادرة في جميع بقاع الأرض.

ولم نعهد نهضة دولة ما من دول العالم المتقدم تتجاهل مبدعيها، وخاصة المبتكرين وأصحاب الاختراعات، وتهمشهم وتضع العراقيل أمام خطاهم الوثابة، وإن اجتهدوا واخترعوا وأبدعوا بمجهوداتهم الذاتية، ذهبت حصيلة رؤوسهم إلى صناديق المزاد! أو ربما احتفظوا بها للذكرى الخالدة! لأنه يتم التعامل معهم بأحد الافتراضين: الأول أنهم أناس تافهون لا يأتون بجديد وحالمون في عالم من الخيال الذي لا يراه سواهم، والثاني: أنه مشكوك في أماناتهم فيجب التصدي لهم أو التحقيق معهم ومناقشتهم بشكل محاكماتي لإثبات براءتهم من تهم السطو أو الافتراء أو الاقتباس، وهذا شيء مجاز حتى تتبين الرؤية، وإنما يجب ألا يستغرق الأمر عشر سنوات على سبيل المثال! وبطبيعة الحال لدينا لا هذا ولا ذاك! وإنما ندعهم يحلمون وكفى! ونتجمّل بواجهات دعمهم لنبرق نحن ويلمع اسمنا على حسابهم، فيعيش الذين من المفترض أنهم المخترعون الوقت الطويل الذي يصل إلى عشرات السنين بلا مبالغة، ثم إن حصلوا على البراءة ألقي بهم على قارعة الطريق، لتلتقطهم (السيارة). دول تقدر ما يصنعون. ولقد كنت في إحدى أكاديميات البحث العلمي المنوطة بإصدار البراءات، وشهدت أمرين كلاهما يدعو للعجب. الأول هو ما سرني للحظات قبل أن يتبدد ذلك السرور، وهو إحساس مزدوج لم أعرف توصيفه؛ عندما رأيت كثرة وزحام المخترعين بشكل أهالني ولم أصدق أن ما رأيت حقيقة! فهل لدينا نحن العرب كل هذا الكم من المخترعين ولو صح نصفهم لأصبحنا من الدول النفاثة إلى المريخ. حيث يصل الأمر أنه يتم تحديد المواعيد ثم الانتظار في صالات الانتظار للوصول لمقابلة اللجان. وهناك من ينظم الأمور، ويرتب الأدوار في هذه الحالات، وجمعٌ كثيرٌ من المخترعين كل يحمل أوراقه وأفكاره، ويرتب منطوقه، وينتظر دوره. وهذا جانب السرور المبدد لاحقا، إذ شعرت ولو للحظات أن أمة الضاد لا تزال تحمل رؤوسا على أكتافها والحمد لله، إلا أنه امتزج معه شعور آخر بالتشتت والامتعاض والإحساس بتدني النظرة لعقول تتحرك وتفكر وتبدع وتحلم بأمور يطلق عليها مصطلح "مبتكرة" أي مبدعة، ومعنى الإبداع هو أنك جئت بأمر لم يأت به أحد من قبلك، أيا كان حجمه، إلا أنه في نهاية الأمر شيء نادر وغال وباهظ الثمن كونه قيمة في حد ذاته، لأنه لم يخطر على بال بشر قبلك، ومن هنا تأتي قيمة وعظمة الإبداع، وعلينا جميعا أن نعي هذا. فشيء غريب وعجيب! أين تذهب هذه الأفكار وأين يذهب على الأقل، إن صح، أحسنها وأفضلها، فمما لا شك فيه أن كل هؤلاء المحملين بالأفكار والابتكار يذهبون في نهاية المطاف إلى المفازة. والحقيقة أنني قد علمت أنه يتم كل شهر على الأقل إصدار براءة اختراع في بلد واحد، فكم من براءة تصدر في وطننا العربي كل شهر؟ والحقيقة أن البراءة لم تعد تسمن ولا تغني من جوع في بلادنا، فالمخترعون يتجولون ويبحثون عن ممولين أو عن مشترين، وقد أخبرني أحدهم أنه لم يدع وسيلة إعلامية إلا وتحدث فيها عن اختراعه الذي تبوأ المركز الأول على مستوى العالم، وهو مهندس وله تلاميذ مخترعون أيضا.

ومما زاد من دهشتي أن لمحت أناسا يتحدثون في صالات الانتظار مع أحد المخترعين، وتبين لي أنه أحد سماسرة المخترعين، الذين يلعبون دور الوساطة بين من يحصل على براءة اختراعه وبين شركات التمويل في الدول المتقدمة، التي تعرف حقيقة معنى كلمة مبدع وتقدر قيمة الإبداع، فيذهب المبدع والإبداع إلى خارج الوطن، وهذه كارثة وطامة كبرى. ولدينا في الوطن العربي عامة وفي المملكة بصفة خاصة جهات معنية ببراءة الاختراعات، ولكن ماذا بعد؟ كما أن هناك في دول عربية أخرى احتفالات ومهرجانات وجوائز تصدر لهم، ولكن من باب الوجاهة ليس إلا! ونحن والحمد لله بلاد ميسورة، فلما هذا الإهمال للمخترعين قبل إهمال الاختراع نفسه؟!

من هنا يقول المهندس د جاسم الراجحي في حوار له مع صحيفة الدارة: "للأسف هناك بعض الناس لا يعلمون حقيقة الإبداع ولا مشكلات المبدعين، إذ إن الاهتمام الأكبر هو تسليط الأضواء على الافتتاح والإعلام دون الوقوف الحقيقي على معوقات الاختراعات والمشكلات اللاحقة بعد تسجيل براءة الاختراع، إذ إن المخترع لا ينظر إلى اختراعه على أنه مجرد مرحلة بسيطة تنتهي عند التسجيل، ولكن المعاناة الحقيقية تبدأ بعد التسجيل إذ لا يوجد دعم حقيقي لتصنيع الاختراع ولا تسويقه وبالتالي لا نستفيد من الإبداعات والطاقات، لذلك يجب على المسؤولين التوقف عن المجاملات وسؤال المخترعين دون حواجز ولا لجان عن أكبر المعوقات والمشكلات الحقيقية بالنسبة إليهم وأيضا الحلول المقترحة لحل المشكلة". تلك هي الحقيقة الوضاحة الصداحة في وضح النهار تأتي على لسان الراجحي، فماذا بعد؟!

إننا إذا استمر هذا المنوال، فسنظل نستورد، وننفق الأموال الطائلة من عقر دارنا على كل مستحدث، وبين أيدينا ثروة هائلة من العقول المهملة التي تترقب سماسرة العقول المهاجرة لمن يدفع الثمن في مزاد علني ليس للاختراعات فحسب وإنما للمبدعين ذاتهم. فماذا ننتظر في زمن أصبح ـ أو يكاد ـ الإنسان فيه أن يكون محور العالم؟! في ضوء حقيقة علمية تؤكد أن الإنسان يشعر بالاغتراب حينما ينفصل عن نتيجة ثمار جهده.