وصف الله سبحانه وتعالى القوم الذين يختلفون بأنهم قوم لا يعقلون "تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون" الحشر: 14. والاختلاف هنا يقصد به اختلاف التضاد، أو بعبارة أخرى الخلاف الذي يؤدي إلى الشحناء والبغضاء والعداوة ثم الاقتتال.. ومع أننا أمة مسلمة صاحبة عقيدة عظيمة تدعو إلى أسمى القيم والمبادئ والمثل والأخلاق، إلا أن منهج تفكيرنا غير ذلك.
فالقيم العالمية التي يتشدق بها الآخرون ويدعونها لهم هي قيم إسلامية في الأصل. فالمحبة والسلام والتسامح والتعاون والاحترام هي قيمنا: "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" آل عمران: 159. "فقولا له قولا لينا" طه:44.
ومع أن الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب الصواب والحق إلا أن الله عز وجل يأمره بمنهج تفكير سامٍ في الحوار، حيث يقول عز وجل "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" سبأ:44.
بالرغم من عدم صواب تقسيم المسلمين الذين يشهدون أن لا إله إلا الله إلى أسماء غير مناسبة مثل الإسلامي والليبرالي إلى غير ذلك من الأسماء، وبالرغم من أن حقيقة واقعنا تكشف لنا بوضوح وجود صراع واختلافات قد تصل إلى الشتيمة والانقسام فقد تفاقم أمر المسلمين اليوم وبدأنا نلحظ بعداً خطيراً آخر وهو بوادر انقسام واختلاف يصل إلى حدود هذا المستوى بين ما اصطلح على تسميته (خطأً) بالإسلاميين.
وهنا نسأل سؤالاً نريد من الجميع أن يفكروا فيه جيداً ويجيبوا عنه: هل تحتمل أمتنا هذا الانقسام بين أبنائها فيما تتعرض لهجمات شرسة من أعدائها وفيما تعيش تخلفاً وهواناً وضعفاً؟
أمتنا أيها الإخوان تحتاج إلى كل جهد مهما قلّ من أبنائها.. وتحتاج إلى أن نتآخى ونتعاون ونتحاب لنقوى بالله ثم ببعضنا. نحتاج إلى أن نغير من أنماط تفكيرنا الحالية التي تدعونا للمناقشة ثم الاختلاف ثم الانقسام على أمور يمكننا تأجيلها إلى حين لا يتبقى من مشكلات المسلمين إلا هي ثم يمكننا عندها تناولها بالحوار الهادئ البناء لمعالجتها. أنا لا أقلل من أهمية السنن وبعض الأمور التي يتم الآن التضاد بين الإخوة المسلمين بشأنها، لكنني ضد أن تعمل هذه المناقشة لهذه الأمور على تفرقتنا وانقساماتنا وتعادينا بشأنها. دعونا نؤجلها إلى وقتها وتعالوا نجتمع معاً كلنا أبناء الوطن الواحد وأبناء الأمة الواحدة مهما كان رأينا في بعض الأمور التي لا أقلل من أهميتها، نناقش كيف تقوى الأمة وكيف تتوحد الأمة وكيف تتقدم الأمة.
دعونا نبعد التصنيفات لأبناء الوطن الواحد ولأبناء الأمة الواحدة، لننهج التفكير الصحيح الذي يمثل روح الإسلام المتمثل في التفكير في قضايا تخلف الأمة وضعفها بدلا من هذا التصنيف الذي يقود إلى التشرذم والتفرقة.
يجب أن ننظر إلى بعضنا البعض بمنظار الدين الواحد والهم الواحد والهدف الواحد، يجمعنا الإسلام، وإذا كنا مواطنين لبلد واحد فلننظر بمنظار الوطن الواحد، ونعرف واجباته ونعمل معا لرفعته.
التفكير الذي يسود الساحة الآن هو كيف يهزم بعضنا رأي بعض، وكيف نقوى ببعضنا ضد بعضنا الآخر.
يا له من نمط غير سوي حتى لا أقول إنه نمط متخلف يعمل على تعزيز قوة أعدائنا ويزيد من تخلفنا وتشرذمنا.
النمط السائد هو محاولة كل فريق هزيمة الفريق الآخر. إنها خطوة كبيرة نحو مزيد من الضعف والتخلف. تدبروا كيف يسُتقبل خطابنا الإسلامي ونحن بهذه الصورة الممقوتة. إن منهج التفكير القائم بين معظم المسلمين اليوم أدى إلى تغير في صميم الخطاب الإسلامي الحديث. فمع أن الإسلام يدعو إلى التدبر والتفكير واستخدام العقل ومخاطبة أصحاب الألباب، إلا أنك ترى أن الخطاب الإسلامي اليوم في معظمه لا ينهج إلى تحريض أبناء الأمة على الاستزادة من العلم والاختراع والتعاون مع الآخرين للاستفادة منهم ومناقشة هذا الأمر لمعرفة كيف يمكن تحقيقه..
دعونا نسأل عن مجمل محتوى الخطاب الإسلامي اليوم ونحلله تحليلاً موضوعياً منطقياً لنعرف بالضبط هل هو في صالح الأمة ودينها، أم إن تغييراً مهماً يجب أن يطرأ عليه؟ دعونا نُعد التفكير في طريقة تفكيرنا وطريقة فهمنا للعالم من حولنا وطريقة فهمنا لمجتمعنا الذي فرض عليه العصر التغيير.
إن القضية هي منهج تفكير لا أكثر. هذا المنهج الذي سيستمر في دفعنا كأمة واحدة صاحبة منهج قويم ودين عظيم روحه، وروحه فقط، تؤدي بنا إلى نفض غبار التخلف والضعف.
إن منهج تفكير المسلمين اليوم لا يتناسب مع عصرهم. إنه منهج يؤدي إلى استمرار التضاد، الأمر الذي يجعل أمتنا قابعة في مكانها.
يا عقلاء الأمة اعملوا بكل ما أوتيتم من جهد ومكانة لتأجيل مناقشة القضايا التي طغت على الساحة الإسلامية وتسارع الآن في ضعفنا وانقسامنا، وحولوا اهتمام المسلمين إلى مناقشة ما يقويهم ويجمعهم، وتحملوا مسؤولياتكم ولا تدعوا أمورا يمكن تأجيلها أن تطغى على فكر واهتمام أبناء الأمة. إنكم أمام مسؤولية عظيمة لتغيير نمط فكر الأمة وتوجيهه إلى ما ينفعها وإلا فتحملوا التبعات.
إذا استمر المسلمون في نهج تفكيرهم السائد الآن فاسألوا إن كانت أمتنا ستقوم من غفوتها وتسمو إلى درجة سمو روح دينها.