في لحظة انفعال محض واحتراق ذاتي، ونبرة غير مستسلمة أو ذليلة يقول أحمد التيهاني:
أنتِ يا أنثى رقيقة ماء وجهي لن أريقه فتشي فينا -صباحا– عن وطن. ولكن عبدالله الزمزمي يختفي وراء سؤال متوتر، طالما أمسك بتلابيب قلبه المتعب ومعاناته المدوية:
كم تسألين وماعلمتِ بأنني ضمنت أوراقي صريح جوابي - أقسى من العبرات عندي بسمة سقيت بماء مرارة وعذاب. وعلى مستوى التشكيل البصري يتكئ علي مهدي على معطيات الخطاب الروحي في لحظة كشف متسام: صلوا الصلاة بلا خشوع غامر واثاقلوا وتأخروا وتقدموا – الماء مبذول لهم لكنهم في زحمة الشغل الكثير تيمموا.
وتتجاذب مهدي حكمي مشاعرة الإنسانية المرهفة عبر مديات جمالية تتحرك داخلها ذاتها الشاعرة والطافحة بالعذوبة والارتواء والعشق المضني: أضرمت نار الشوق بين جوانحي وسلبت ماء مودتي وعيوني – وملكت هذا القلب دوحا وارفا وسكنت بين صبابة وحنين.
وفي لقطة حكائية يتحصن حسن الصلهبي بالغموض الآسر، والمد الدلالي المتنامي دراميا حين يلتقط المشهد ويرصده داخل خليط حواري رحب: يمر بي العابرون لاهثين بهم عري السؤال ونار الجرح ملتصقة – أسير يغرق مائي فخذ قافيتي وتستلذ بناري الغيمة الشبقة – فألبس الريح أزهو ملء قامتها ويلبس الدهر غيري ثوب من سبقه.
يفكك أحمد قران الصورة الذهنية للماء، حيث يفترض وعيا آخر له ومضادا لمعناه من حيث الجوهر والخصوبة منشئا كونه الخاص ورؤيته التأويلية: ومن تضاريس قحط في مواسمه ترمد الماء في عينيه والديم – يسابق الآهة الحرى إلى وطن يضمه بين جنبيه ويعتصم. وفي لغة تفصح عن المستور عبر أسئلة مكبلة تتناسل كالطلع، وهي تشاغل النفس وتراود المخيلة يطرح أحمد الحربي كل هذه التساؤلات الحبيسة والمخبوءة: سألت الرمال سألت العراء لمن تضحك الغيمة الباكية؟ تنفس في عمقها الاشتهاء ولحن المسافات في الدالية – أذابت عليها انصهار الرجاء أرقنا على الدرب خبزاً وماء.
لا يتردد محمد حبيبي عن السعي إلى فلسفة الحال الشعري وتوقع القادم، وما يتولد من دلالات المحو والتغييب تحت ضغط الحياة وانكسارها وإفناء الآخر: في غد حين يأتي لينزع مفتاحنا نتنازل عن مائنا قد نذل قليلا – فلا تبتئس تلك أشلاؤنا في الحوائط محفورة في الممرات بعض دمانا تنز بها درفات الشبابيك.
يخرج مسفر الغامدي من السكون إلى الحركة حين دوّن التفاصيل واستل عناصرها التكوينية، باعتبارها كونا جماليا وتداعيا نصيا، يتمثل في التشكيل المشهدي المرسل والمتوالي: إلى غيمة في براري القصيدة مكسوة بالينابيع – بعض اكتناز الفراغات بالماء بعض اتشاح الغصون بأوراقها.