يحدثني أحد الزملاء النشطين جدا في المشاركات الثقافية الداخلية والخارجية أنه قرر منذ سنوات تخصيص جزء من راتبه الشهري لدفع رسوم تلك المشاركات حتى يكون اسما معروفا ـ إلى حد ما ـ في الداخل والخارج، حيث دار حديثنا عن دور المؤسسات الثقافية في دعمه، ولماذا يصرف تلك المبالغ، وهناك جهات مسؤولة عن تبني المواهب؟ فضحك. وقال: الحقيقة، أنا قررت منذ البداية أن أصنع نفسي بنفسي بعد أن رأيت معاناة كثير من الزملاء في الحصول على فرصة تقديم ما لديهم من خلال المؤسسات الثقافية سواء الأندية الأدبية أو جمعيات الثقافة والفنون. المفاجأة، بالنسبة لي أنه لم يكن ساخطا، لا على الأندية الأدبية ولا على جمعيات الثقافة والفنون، حيث اكتفى بالقول: حقيقة لا ألومهم، لأن هذه المؤسسات لها محدداتها المالية والتنظيمية التي قد لا تتوافق مع رؤيتي كشخص يحب الانطلاق لأفق أرحب في التفكير والتعبير، ولذلك لم أطرق أي باب، فلدي يقين أن الإنسان هو من يصنع نفسه، والحمد لله.. أعتقد أنني نجحت إلى حد مرضٍ بالنسبة لي، في تحقيق حضور مقنع حتى الآن.
هذا الصديق لم يكتف بذلك بل إنه كان يرى أن كثرة التذمر والشكوى من دور المؤسسات الثقافية؛ يدل على "ضعف ما" لدى الشخص، فالموهبة الحقيقية ـ حسب رأيه ـ تستطيع اختراق كل الحواجز بل هي من تجعل الشخص مطلوبا، وعني شخصيا ـ والحديث له ـ بدأ كثير من الجهات التواصل معي للمشاركة لديهم وبمقابل مادي، بعد أن كنت أنا من يدفع. (انتهى كلامه).
قد يكون النموذج السابق نادرا، وقد يكون موجودا بكثرة، لكنه بالتأكيد تجربة مهمة على المستوى المحلي، ليس على مستوى الإبداع والثقافة فقط، ولكن حتى على مستوى الباحثين عن عمل في أي مجال.
وبالطبع، هذا لا يعني أن المؤسسات الثقافية ملزمة بالكشف عن المواهب الحقيقية، ودعمها ماديا ومعنويا، والمساهمة الفاعلة في نشر إنتاجها سواء عن طريق النشر أو تنظيم المعارض، والتعريف بها في المحافل الثقافية داخليا وخارجيا بل هذا واجبها الأول الذي أنشئت من أجله، لكن هدفي من إيراد هذا النموذج هو التأكيد على أن الشخص المبدع في أي مجال، إذا لم يصنع ويؤهل نفسه بكل طريقة ممكنة، ويحرص فعلا على تطوير عمله بالقراءة والاطلاع والتواصل مع الآخرين، فلا أعتقد أن أحدا سيأتي ويضعه في القائمة مباشرة.