قبل عدة أيام، كتبَ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ـ نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ـ تغريدة في "تويتر" قال فيها: "أعطينا مهلة سنتين للجهات الحكومية لتنفيذ مشروع الحكومة الذكية، ووعدنا المسؤولين الذين لا يحققون الهدف أن نقيم لهم حفل وداع بنهاية هذه المدة".
حصلتُ من مكتبة صغيرة في دبي مؤخرا على كتاب "ومضات من فكر ـ أفكار وآراء من وحي الجلسة الحوارية في القمة الحكومية 2013" للشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وكانت فرصة جيدة لقراءة بعض الجوانب في أفكار وشخصية هذا الرجل، الذي استطاع أن يقود تجربة تنموية خليجية ناجحة وفريدة، أصبحت أنموذجا يحتذى حتى من قبل دول بأهمية وتقدم ودقة اليابان.
في البداية، ينطلق محمد بن راشد آل مكتوم من فكرة بسيطة وشاملة، مفادها أن وظيفة الحكومة هي تحقيق السعادة للمجتمع عبر تسهيل أمور الحياة، واختصار المسافات، وتقليل الأوقات الضائعة من أعمار الناس، وهذه القاعدة يمكن أن تبنى عليها الكثير من الأفكار والسياسات.
ويشرح الشيخ محمد بن راشد ـ في ست نقاط ـ أهم ملامح حكومة المستقبل التي تخطط دولة الإمارات لتحققها "في سنتين"، وأولى هذه النقاط أنها "حكومة لا تنام"! بمعنى أنها تقدم خدماتها للناس 24 ساعة في اليوم 7 أيام في الأسبوع 365 يوما في السنة، وتتفوق على الفنادق في حسن الاستقبال، وعلى البنوك في دقة الإجراءات، وعلى القطاع الخاص في جودة الخدمة، وتمكِّن المواطن من إنجاز أي معاملة حكومية بغض النظر عن الجهة التي يتبعها، إذ تنتقل مراكز تقديم الخدمات إلى الهواتف الذكية ليستطيع الفرد تقديم ومتابعة طلبه بواسطة الهاتف المحمول، ومما يميز حكومة المستقبل أنها حكومة مبدعة قادرة على توليد الأفكار باستمرار بواسطة موظفيها وجمهورها، وحكومة المستقبل هي حكومة ذكية تمتلك أنظمة تقنية مترابطة وفعالة تسرِّع في إنجاز المعاملات. وعن أولويات التنمية في الإمارات يؤكد الشيخ محمد أنها تتلخص في ثلاث كلمات فصّلها وهي: "التمكين"، و"التعليم"، و"التوطين".
ويؤكد محمد بن راشد أن الإنسان إذا عوَّد نفسه على الإبداع في الأشياء الصغيرة فسوف يبدع في الأشياء الكبيرة، مشيرا إلى قصة نجاح فكرة بناء جزيرة "النخلة"، وبناء "برج خليفة" اللذين يمثلان اليوم منعطفا بشريا وتاريخيا واقتصاديا مهما في دبي، أُنجزا تحت شعار "إن أكبر مخاطرة ألا تخاطر".
وإضافة إلى الأفكار التنموية، يحوي الكتاب رؤى وتجارب إنسانية، إذ يؤمن مؤلفه بالطاقة الإيجابية، أي أن ما ينجزه الإنسان ويفعله على أرض الواقع هو انعكاس لما يحمله في داخله، ولذلك فإن الطاقة الإيجابية والتفاؤل يساعدان في التغلب على التحديات كافة. أما شارة النصر التي ابتكرها فيقول: نحن العرب لدينا حضارة عريقة ولغة عظيمة، فابتكرت هذه الإشارة التي تعبر عن ثلاثة أشياء وكل كلمة مكونة من ثلاثة أحرف: كلمة فوز، وكلمة نصر، وأستخدمها أيضا في التعبير عن الحب.
ويتطرق الكتاب إلى يوم في حياة مؤلفه الذي يؤكد أن الحياة بسيطة تبدأ بساطتها من القلب بعيدا عن السلبية والتشاؤم، كما يؤكد في موضع آخر أننا جميعا نملك 24 ساعة في اليوم، وأن ما يقال باجتماع في 3 ساعات يمكن أن يقال في نصف ساعة، ولكن السؤال ليس حول كيفية إدارة الوقت إنما حول استثماره.
وعن الإصرار على الرقم واحد، يؤكد أن لا أحد يعرف صاحب المركز الثاني أو العاشر، و"لست وحدي من يريد المركز الأول". وعن تمكين المرأة يقول: "نحن تجاوزنا مرحلة تمكين المرأة. نحن نمكّن المجتمع عن طريق المرأة". وعن "الربيع العربي" يؤكد محمد بن راشد أن "الشعوب تريد حكومات تقدم خدمات متميزة، خدمات صحية، وتعليمية، وسكنية، وقضائية، وشرطية. الشعوب تريد تنمية اقتصادية حقيقية". وعن الأفكار والإبداع فإن الحكومات هي الأولى من غيرها بتبني منهج الإبداع. وأن رؤية الإمارات عام 2021 ترتكز على عدة مرتكزات هي: التعليم رفيع المستوى، ونظام صحي بمعايير عالمية، والتنمية البشرية، واقتصاد معرفي تنافسي، وبيئة مستدامة وبنية تحتية متكاملة، ومجتمع آمن وقضاء عادل. أما عن المخاطرة التي في ظل التحديات الاقتصادية العالمية وعدم الاستقرار الإقليمي، فقد أكد الشيخ محمد أن إطلاق المشاريع أفضل من إطلاق الصواريخ. وعن المستحيل يقول: إنها كلمة اخترعها من لا يريدون العمل. وعن استعجاله في تنفيذ المشاريع، يقول: ليس هناك أي سبب يدفعنا للانتظار!.
وحول نقل التجربة الإماراتية لدول الخليج، يؤكد الشيخ محمد بن راشد بالقول: نحن نتعلم من دول الخليج والدول العربية، ونتابع باهتمام المشاريع الضخمة الصناعية والجامعات الجديدة في المملكة تحت قيادة أخي الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، وكذا الأمر في الكويت والبحرين وقطر وعُمان.