إذا كنت ممن يتحدثون باللغة العربية فقط ولا تجيد سواها وأردت القيام ببحث علمي في مجال تخصصك فستظل دوما رهينة المعلومات الضئيلة التي تقدمها مئات المنتديات في الساحة الإلكترونية العربية. يعاني المحتوى العربي الرقمي من فقر شديد فيما يخص المعلومات العلمية الموثوقة التي تقدمها مؤسسات تراجع ما تقوم بطرحه من معلومات وتقوم دوريا بتجديدها.
هذا الضعف لا يضر الباحثين الأكاديميين فقط، بل يمتد ليمس الطلاب في المدارس والجامعات. ففي عصر يعتمد التعليم الحديث فيه على التقنية، وفي مجتمع تكاد لا توجد مكتبات عامه فيه، يصبح الإنترنت تلقائيا هو المرجع الأساسي للطلاب. وللأسف يعتمد الكثير منهم في الحصول على المعلومات الأكاديمية اللازمة من خلال المنتديات التي قد تصيب وقد تخطئ، والتي هي عبارة عن كلام منقول واجتهادات شخصية من قبل أي شخص قد يحمل أو لا يحمل المؤهلات اللازمة، ولا يمكن اعتبارها مصدرا وأساسا يبني عليه طالب المستقبل معلوماته.
لا يوجد تناسق بين المبادرات الوطنية لتطوير التعليم والاعتماد المدرسي المتزايد على التقنية، وبين البنية التحتية الرقمية التي يجب أن تدعم كل هذه التحركات، فأين هي المواقع الإلكترونية العربية التي سيستخدمها الطالب لإنجاز فروضه؟
يختلف الحال كثيرا عند المقارنة بالمحتوى الإنجليزي، حيث توجد مواقع معروفة يعتمد عليها الباحث/ الطالب للحصول على المقالات المراجعة علميا مثل (جستور)، والذي هو عبارة عن مكتبة رقمية يمكن للباحث تفنيد محتواها بناء على التخصص، اسم الكاتب، اسم المقالة، أو اسم الدورية التي نشرت بها. ويحتوي الموقع حاليا على 8 ملايين مقالة. يعتبر هذا الموقع أحد الخيارات العديدة التي يملكها الباحث باللغة الإنجليزية، فأغلب الجامعات المرموقة لديها مكتبتها الرقمية الخاصة بها المفتوحة لجميع منسوبيها. الحصول على المعلومات العلمية الأكاديمية الموثوقة والبعيدة عن الآراء الشخصية أصبح سهلا للغاية، حتى إن "جوجل" توفر هذه الخدمة لكل الطلاب والأكاديميين ولغيرهم ممن يبحثون على المعلومات الموثوقة فقط.
المشكلة في حقيقتها لا تكمن فقط في ضعف المحتوى العربي، بل في الثقافة العربية الإلكترونية أيضا، فالمعلومة الرقمية في مجتمعنا، لا صاحب لها، وهي متداولة للجميع للنسخ واللصق كما يشاؤون بدون حفظ أي حقوق للكاتب. مصطلح الحقوق الفكرية غائب إلى حد ما في عالم المطبوعات، أما في العالم العربي الرقمي فهي غير موجودة تماما، لأن المعلومة الرقمية والبحث الرقمي غير محمي بحقوق فكرية تحفظ جهد وعناء كاتبها، ولهذا يخاف الكثيرون من نشر أبحاثهم العربية التي تتمتع بالأصالة في فكرها ومضمونها. يجب تغيير هذه الثقافة بفرض قوانين داعمة واستحداث محركات بحث وبرامج عربية لضبط السرقات الفكرية في الأبحاث، تماما مثل ما يحدث في العالم الغربي، حيث يحاسب ويطرد الطالب والأستاذ الذي ينسخ عمل غيره بدون تنصيص أو إعادة صياغة.
أيضا، ما هو دور الجامعة في إثراء المحتوى العربي الإلكتروني؟ ما هو دور مؤسسات التعليم في كتابة ونشر وإنتاج فكر متجدد في مجالها على الإنترنت؟ موقع (جستور) الذي تحدثنا عنه هو عبارة عن اجتهاد لجامعة برنستون الأميركية بعد ملاحظة صعوبة توفير كافة المراجع التي يحتاجها الأساتذة والطلبة لإنجاز بحوثهم. فما هو دور الجامعات السعودية؟ وما هي مبادراتها في هذا المجال؟ سنحل جزءا كبيرا من المشكلة لو تطوع كل أستاذ جامعي، وكل دورية عربية برفع أبحاثها التي نشرت مطبوعة على الإنترنت في مكتبة رقمية تتيح للمتصفح قراءتها بصيغة لا تتيح له "نسخ ولصق" الذي يقرؤه مع ترجمة المقالات الأجنبية الأكثر شيوعا في مجالها.
توجد عقبة أخرى تعاني منها المجتمعات النسائية، وهي فوبيا مرضية غريبة من الكاميرا في الحاسب الآلي، فوصل الحد لبعض المؤسسات لمنع طالباتها من إدخال الحاسب الآلي إذا كان فيه كاميرا بدون تصريح يظهر سبب استعمال هذا الحاسب. تعتبر هذه الخطوة إجراء يعطل الكثير من الطالبات من الوصول للمعلومات الرقمية. والنقطة الأهم في هذا الموضوع هي الثقافة العقيمة التي حبسنا أنفسنا فيها، فإذا كان همنا هو وجود هذه الكاميرا التي قد تصور بها الطالبة زميلاتها لعمل فضيحة على غرار الثقافة القديمة للجوال والبلوتوث، فهل سنرتقي بفكرنا بشكل يسمح لنا بأن نتحدث عن إثراء المحتوى العلمي الرقمي في العالم العربي؟ ثقافة الشك والخوف من النشر على الإنترنت مؤسفة بمعنى الكلمة، لأنها تكبل الفكر لينشغل بهذه القضايا ويصمم إجراءات تسير عكس التيار في مجال التقنية والتعليم.
فقرنا في المحتوى الرقمي يشمل أيضا فيديوهات اليوتيوب العلمية والتعليمية، فمثلا في مجال التدريس والتعليم، لو أرادت أستاذة جامعية عرض فيديو باللغة العربية عن استراتيجيات دمج الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة في الفصل العادي فستجد عددا قليلا جدا من الفيديوهات التي لا يصلح أغلبها للعرض. لا يوجد مجال للمقارنة بين المحتوى العلمي باللغة الإنجليزية، حيث يجد الباحث أي شيء يخطر على باله حتى وإن كان تخصص نادر. أيضا، ما هي الجهود العربية لمساعدة الطلاب في فهم دروسهم وتحقيق الأهداف المدرسية عن طريق الفيديو؟ تعتبر "خان أكاديمي" والتي تملك مكتبة رقمية مكونة من 3000 فيديو تعليمي يحتوي دروسا لكافة الطلاب خير مثال على ذلك.
كل هذه التوجهات لإدخال التقنية للحرم المدرسي والجامعي ممتازة، لكنها تعتمد بشكل كبير على إتقان الطالب للغة الإنجليزية، وتغفل تفعيل دور اللغة العربية كلغة علمية يعتاد الطالب على استخدامها. الطالب العربي متعلق بجهازه الذكي، لكن لأغراض ترفيهية، لهذا يجب استغلال هذا التعلق في تعليمه.