أتذكر أنني لم أضحك مرة بعمق ـ حتى ذرفت الدموع من عيني ـ إلا عندما حاول أحد الأصدقاء قبل سنة تقريبا، أن يوضح لي فكرة أن الأرض مسطحة بالدليل القاطع، مستعينا بشكل الشاشات التلفزيونية المسطحة الجديدة LCD، ودقة ونقاوة الصورة الصادرة عنها! والمدهش أن يستفيض في الشرح، ويسترسل في الحديث بينما أنا منصت إليه، فاغر في وجهه حتى انتهى!، فنهضت من قبالته بكل برودة هذا العالم ضاحكا، وغير مكترث لما أسهب في شرحه، وتركته فاغرا فمه هو الآخر من تصرفي "اللاذوقي" كما يظن هو!.

الواقع أنه لم يعد بالإمكان العودة إلى الوراء، في ظل كل هذا العنفوان التكنولوجي والمعلوماتي الطاغي في كل شبر من هذا الكوكب، بل إن مجرد الهاجس بهذا الأمر في نظري هو جريمة أخلاقية عظيمة لا تُغتفر، فحيثما وليت وجهك ستدهشك عظمة العقل البشري، وتنقلك إلى التصديق أكثر بأننا لسنا سوى في أول خطوة حقيقية على درب الإنسانية الكبيرة ومستقبلها، وكم أتمنى لو يمتد عمري لمئات السنين، لأشهد المزيد من نتائج عبقرية الإنسان وذكائه.

القفزات التقنية التي حدثت في العالم في المئة سنة الأخيرة، والعقدين الأخيرين تحديدا، لم تحدث على مدى آلاف السنين من عمر الإنسانية، وقد فاقت كل التوقعات، وتجاوزت معدلات الخطط الموضوعة والتنبؤات الصادرة مسبقا، ليس كحدود بل كاحتمالات قابلة للخطأ والتغيير. لقد تغير العالم بشكل كبير، وعلينا أن ندرك أنه قد حان الوقت لنتغير نحن أيضا، ونقبل أنه يتوجب علينا أن نضع ضمن خططنا تصورات جديدة، لآليات جديدة ومختلفة فيما يُعنى بالجانب الأسري، وخاصة مع أطفالنا.

البارحة تذكرت ضحكتي القديمة ـ على صاحب مقولة الأرض المسطحة والشاشة المسطحة LCD ـ وضحكت مثلها وأكثر حينما حاولت تضليل طفلتي الصغيرة "أشجان"، ذات الخمسة أعوام وسبعة أشهر، وهي تلعب على جهازها الكمبيوتري اللوحي، إذ إنها حين حاولت شرح طريقة لعبة صعُب علي شرحها لها، تظاهرت بأن الشركة لم تذكر الطريقة بالكامل، لكنها فاجأتني برد إجابتي تلك متمسكة برأيها أن اللعبة كاملة، فقامت بإزاحة يدي عن شاشة الجهاز، ثم قالت ـ وتخيلوا أنتم نطق الأطفال ـ "شوف أول نفتح من هنا وبعدين تضغط هذا...."، ثم ما هي إلا ثوان تبعتها دقائق حتى عملت اللعبة، واكتشفت "أشجان" أكثر أسرارها صعوبة، الأمر الذي لم أستطع معه إلا التصفيق بحرارة، والضحك من كل قلبي على موقفي السخيف مع طفلتي التي أحرجتني مع نفسي.

الآن أجزم أننا أمام جيل مختلف كثيرا، أجبرته التقنية الحديثة على استعمال وإعمال عقله أكثر، وتوظيف حواسه إلى أقصى ما يمكنها ليحقق النتائج، وأجزم أن وعينا بهذا التغيير لم يرتق بعد للمستوى الذي يجب أن يكون عليه، وأملي في مضاعفة جهودنا الذاتية حين نحاول الاتصال بجيل ثورة الاتصالات والمعلومات، واحترام طريقته التي يتواصل بها مع المعطيات على أرض الواقع، كي لا يرى فينا جهالة قد تنفره من الدخول معنا في شراكة حقيقية لمستقبل مدروس ومستنير.

لا أريد استباق الأحداث لكنني أقول بثقة: إن قراءة المستقبل يجب أن تبدأ من الآن، كي لا نتعذر بالحجة القديمة الجديدة القاتلة "صراع الأجيال"؛ لأن تلك الحجة باتت غير مجدية الآن، في ظل انفتاح العالم على بعضه البعض، وثورة الاتصالات العالمية الخاطفة، التي جمعت العالم من أطرافه، وجعلته متوفرا في متناول اليد والسمع والبصر. وفي اعتقادي إذا لم نحسن التعامل بذكاء مع هذه المتغيرات المتسارعة والخطيرة، فإننا قد ندخل إلى أعماق جهالة اجتماعية كارثية، وإن أكثر ما أخشاه هو أن تتحقق مقولة الفيزيائي الكبير "ألبرت آينشتاين": "إنني أخشى اليوم الذي تحل فيه التكنولوجيا، محل التفاعل البشري، عندها سيجني العالم جيلا من الحمقى". وهو الذي نرى طلائعه قد أظهرت رؤوسها، وسيأتي ذلك الجيل الأحمق، إذا نحن أغلقنا من حولنا كل أبواب ومنافذ التواصل مع الآخر.