إن أقرب وصف يمكن أن يطلق على بعض أفراد المجتمع هو تمسّكهم بالآراء الفقهية التقليدية والقديمة والخطابات الدينية المؤدلجة، الأمر الذي جعل المجتمع يرفض التغير والتحولات، ظناً منهم أن ذلك يخالف الفطرة السليمة والشريعة الإسلامية.

والمشكلة في الحقيقة تتمثل في أن كثيرا من التحولات التي يمر بها مجتمعنا اليوم أفرزت كثيرا من المشاكل والقضايا التي تتطلب وجود إصلاحات جذرية وآراء فقهية جديدة وقوانين عادلة تعالج مشاكل المجتمع وقضاياه المعاصرة.

ولعل من أخطر ما يمر بنا اليوم من أزمة نتعامل معها بحساسية زائدة وخوف شديد، شعور بعض بأن عليه الاختيار بين الدين أو العلمانية، أو الشعور بأن الإصلاحات والقوانين الجديدة تمس ثوابت الدين على الرغم من إدراك بعض حجم المشاكل التي تعصف بالمجتمع، الأمر الذي أدّى إلى تمسك الناس بشعارات مثالية لا يمكن تطبيقها على أرض الواقع فضلاً عن تعطل القوانين التي تعالج وتنظم حقوق وواجبات الناس في وقتنا المعاصر.

لنأخذ على سبيل المثال مسألة "قوامة الرجل على المرأة" والتي شهدت سجالاً واسعاً في المجتمع، حيث يصر غالبية الناس على كون هذا الأمر هو "حق" للرجل في دائرة العلاقة الزوجية، في الوقت الذي أغفلوا فيه بأن القوامة "واجب" ومسؤولية على الرجل والمرأة، تخضع لشروط وأحكام وقيود أوجبها الإسلام.

والأصل في موقف بعض من هذه المسألة هو قول الله عزّ وجل: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم) النساء34، فهنا يعتقد بعض الفقهاء والمفسرين بأن هذه الآية الكريمة أقرت تفضيل الرجل على المرأة، الأمر الذي يقف وراء حق القوامة للرجل بالإضافة إلى مهمة الإنفاق على المرأة، ويقولون أيضاً بأن في: "المهور تعويضاً للنساء ومكافأة على دخولهن في عهدة الزوجية تحت رئاسة الرجال".

ومن الأمور الأخرى التي يراها بعض الفقهاء في أسباب قوامة الرجال وفضلهم على النساء يرجع حاصلها إلى العلم والقدرة كما يقول فخر الرازي، والذي يرى أن: "عقول الرجال وعلومهم أكثر، وقدرتهم على الأعمال الشاقة أكمل، ولهذا حصلت الفضيلة للرجال على النساء في العقل والحزم والقوة والكتابة في الغالب والفروسية والرمي".

وبناءً على ما سبق، أصبح مفهوم القوامة هو إعطاء حق الرئاسة والولاية للرجل بحيث تكون المرأة مقهورة تحت سيطرة الرجل تعيش الخوف من سخطه مع وجوب طاعة أوامره حتى ولو كانت ظالمة وتعسفية، فكم من امرأة سرقت أموالها؟ وكم من امرأة تعرضت للعنف والظلم؟ وكم من امرأة تشحذ الرجل لأجل الإنفاق عليها؟ وكم من امرأة ذاقت الأمرّين في المحاكم في سبيل الحصول على اليسير من حقوقها؟ وكل هذا الظلم يقع على المرأة باسم الدين والشرع المتمثل في حق القوامة والولاية.

لا شك أن مسألة "قوامة الرجل" قد تترتب عليها أحكام ومسائل فرعية أخرى يصعب حصرها، ولكن أقل ما يقال في هذه القضية أن المرأة لا تستطيع إدارة أموالها وحتى شؤونها الخاصة دون إذن مسبق من الرجل، حتى وإن كان هذا الرجل إنسانا غير سوي أو من أصحاب السوابق الإجرامية.

قد يعترض بعض على القول السابق ويقول إن: "مسألة التفضيل قاصرة على عنصر الاتزان العقلي للرجل في مقابل الاهتزاز العاطفي لدى المرأة، مما يجعل الرجل المرشح الوحيد الذي بإمكانه أن يتولى زمام قيادة الأسرة وتحقيق عنصر القوامة".

وبكل بساطة يمكن الرد على الاعتراض السابق بالقول: إن هناك من الرجال من هو غير متزن عقلياً، وهناك من النساء من هنّ أكثر اتزاناً وأكثر تحملاً لمسؤولية الأسرة.. فهل تنطبق عليهن القاعدة السابقة؟

قد يقول قائل بأن في مثل هذه الحالات تسقط قوامة الرجل وولايته وبالتالي يكون القاضي هو ولي المرأة، وهذا الحكم يذهب إليه كثير من فقهاء المسلمين وهذا يعني أن للقوامة شروطا وقيودا، كما تستطيع المرأة تدبير شؤونها وشؤون أسرتها بنفسها ودون ولاية الرجل وذلك في إطار القوانين والأنظمة من خلال الأحكام القضائية.

والقوامة معناها كما جاءت في المصادر اللغوية: "المتكفل بالأمر ومن يقوم بأمر المرأة وما تحتاج إليه وما يصلح شأنها"، فإذن ليس معناها الرئاسة والولاية والانطلاق من باب المزاج والهوى، فهي تخضع لشروط وقيود تأخذ في الاعتبار القسط والعدالة والتعامل بالمعروف كما جاء في قول الله عزّ وجل: (وعاشروهن بالمعروف)، فتكون من واجبات الرجل ومسؤولياته توفير حاجات المرأة المادية والمعنوية، وحمايتها والنفقة عليها، فإذا خرجت قوامة الرجل عن هذا الإطار وعن هذه الأحكام سقطت ولايته ولا مشروعية لقوامته.

وعلى أي حال، فإن التطورات الحضارية التي يمر بها مجتمعنا اليوم تزامنت مع تحولات جديدة على مستوى المفاهيم والمبادئ والعلاقات الاجتماعية والتصور الذهني للواقع والدين، وأصبحت العلاقة الزوجية بمثابة شراكة بين الزوجين يمارس كل منهما واجبه في القوامة على أمور الأسرة وتربية الأبناء من منطلق التفاهم المشترك واحترام الآخر.

مهما تحدثنا عن مسألة القوامة فإن الأمر لا ينتهي، فالمشكلة ليست في من هو القيّم؟ وإنما كيف نقوم بأمر القوامة سواء من الرجل أو المرأة؟ والمطلوب تجسيد أمر القوامة في قوانين مكتوبة ومعلنة وواضحة للناس.

أعلم جيداً أن المطالبة بوضع مثل هذه القوانين ليست بالأمر الهيّن ولا تروق لكثير من الناس، وهناك من يرى بأن يطلب مثل هذه المطالب يستحق التفسيق والتكفير ويتهم بالمروق من الدين والحكم على نواياه دون وجه حق، ولكن من حق كل إنسان أن يتساءل: كيف نرفع ونزيل الظلم الواقع على المرأة بسبب تعسّف الرجل باسم الدين وحق القوامة؟ فإذا قال بعض بأن الحل يمكن في تطبيق الشريعة.. فلماذا لا تكون أحكام الشريعة في شكل قوانين مكتوبة يرتضيها الناس؟