قلت للصديق (الشقيق) الدكتور سعد مارق، عضو مجلس الشورى، قبل فترة طويلة وهو يجبر خواطري ذات مساء عاصف إن الكتابة في مجتمعنا وله، هي أن تخسر بالمقال والأسبوع والشهر (قضمة) من دائرة حياتك الاجتماعية، ورصيدا من بنك الأصدقاء والزملاء. كم هم من أصدقاء المشوار والغربة والدراسة الذين (مسحوني) من ذاكرة أرقام الجوال، لأنهم قبلوا فيما بعد مناصب الإدارة الوطنية العليا وأنا امتهنت الفراغ والتكاسل مع القراءة والكتابة. ولا تسألوا عن العواطف الجياشة حينما يود الكاتب ترميم علاقة قديمة مع صديق حياة فلا يستجيب على الطرف الآخر لعشرات نغمات الجوال لأنه يريد (مقالا) ترميميا يمسح الغلطة السابقة، وهذا لن يحصل.
لا تسألوني أيضا كيف يرتجف الكاتب مثل القط الأبيض تحت زخات المطر حينما يغشي حفلة تجمع رؤساء الإدارات الحكومية في مدينته. لا تسألوني كيف قبلت أن أعيش في الشارع المظلم الوحيد بهذه المدينة، بدون الحد الأدنى من حقوقي كمواطن، لأنهم يريدون لحقوقي المشروعة أن تكون منة وهبة و"فزعة".
وبالطبع، لست (ناثانيال هاوثورن)، ولا حتى كسرا عشريا من النسبة المئوية. هو أب الرواية الأميركية، مثلما هو أيضا ملك كتابة النقد الثقافي في المئات من رسائله القصيرة التي استمتعت بإعادة قراءتها إلكترونيا صدر هذا الأسبوع. وكما قرأته، فأنا ظله في (الشبهة) لا في الألق والانتشار وتأثير المنتج. ومثلي، عاش (هاوثورن) في مجتمعه قبل ثلاثة قرون في المجتمع الابتدائي التحولي لبوسطن الأميركية.. مجتمع غارق في الخرافة والأسطورة والسحر والشعوذة.
وبالقانون، كل من يكتب في نقد البنية الثقافية لمجتمع (إنجلترا الجديدة) الأميركي، رسموا على وجهه وشما أسود كنوع من العقاب الكنسي. وفي رسالته الأخيرة يذكر هاوثورن أن في جبهته سبع عشرة نقطة وشم. كان محظوظا أنه عاش في مجتمع بلا مطبعة ولا صحيفة وإلا: كم كانت مساحة كل جلده ستستوعب؟!
وسأعود للجملة الأولى بعاليه لأقول للصديق الشقيق: كل مقال بوشم. وكل وشم بلونه الأبدي على الجبهة.. وليت أخي الأنيق يعرف أن الشهر الأخير وحده كان نصف مساحة الوشم على الجلد. تعبت ولكنني أبدا أبدا أبدا.. لن أستسلم. اليد التي تحمل القلم لا تحمل معه منديلا أبيض.