جاسم ذلك الرجل الثري الذي أنعم الله عليه بثروة طائلة كغيره في غمرة أمواج الطفرة الحضارية - الطائر الذي ينبعث من تحت الرماد "الفينيكس" طائر التمدين البراق - فأمعن في استيراد كل شيء مستحدث وبراق ومريح؛ مما ينم عن رفاهية قد لا يدرك جاسم نفسه أنها مزعومة، تؤدي به في نهاية الأمر إلى عجز لا يمكنه الخروج من شراكه. فقد عمل جاسم على استيراد ماكينة تصنع القهوة وتصبها ساخنة تعج برائحة الهال وبها جزء يحرق العودة أيضاً، فينتشر البخور في كل مكان، وظن جاسم أنه بهذا يحافظ على تراثة لأنه لا يزال يشرب القهوة بالهال، ويطلق بخور العودة في كل اتجاه، وتناسى أنه استورد آلة لصنعها، وفي هذه الحالة لا يفقه كنه تشغيلها وصيانتها، فاستورد عاملا يقوم بتشغيلها وفكها وتركيبها، إلا أن هذا العامل وفي يوم من الأيام لم يكن مزاجه على ما يرام، وأحجم عن صنع القهوة بحجة أنه "تعبان" أو مريض أو أي حجة واهية تضع جاسم وضيوفه في شوق شديد لشرب فنجان قهوة، فهو كغيره من أبناء العرب لا يرى ضوء الصباح بدون فنجان من القهوة. فـ"خرِم" جاسم وكل من في البيت لهذا الإرث الذي يتبدد في لحظة مزاج معكر لعامل منوط بهذا الشأن! وفي ذات اللحظة فوجئ جاسم بزيارة جاره الذي لا يزوره على الإطلاق! قائلا: "جيت أسلم عليك وأشرب معك فنجان قهوة" فاكتشفنا أن الجار قد استورد هو بدوره آلة للقهوة لكي يتظاهر أمام ضيوفه وزائريه بأنه ليس أقل شأنا ممن حملوا شعلة التطور! إلا أنها تعطلت، وفي ذات الوقت نكتشف أن المدينة كلها تشتاق لفنجان قهوة لأن كل ماكينات القهوة التي استوردتها المدينة كانت نتيجة صفقة تجارية تشترط أن يتخلى الكل عن دلال القهوة لأنها لا تتماشى والمظهر المتمدن الإلكتروني الحديث، كما أنها من مستلزمات التعاون الاقتصادي الدولي، في حين أن الجد العجوز يحجم عن ذلك ويتمسك بدلته! فيوقد النار ويشرب القهوة ويضحك! إلا أنه يظل محل سخرية واستهزاء، متهما بالرجعية والتخلف؛ فكيف يوقد النار ويشعل الحطب ويحمل الدلة فوق النار في قلب صالون جاسم الذي شيد على أحدث طراز، ويزيح الأثاث الفاخر على حين غرة ويفرش أبسطته التي أحضرها مع دلته من القرية! في وقت تدور فيه الرؤوس جراء فنجان قهوة لم يحضر بعد!

هذه الأزمة هي جزء من مسرحية فنجان قهوة التي كتبتها عام 1995، توجسا وخيفة على ما يجتاح بلادنا من مظاهر التمدن التي لا ترتكز على منتج محلي ينم عن كفاية محمومة بنشوة الزهو الحقيقي! وتلك هي الأزمة القادمة المتجسدة "بين المُنتج والمنهج".

هذه النظرية حينما كانت في أوروبا والاتحاد السوفيتي في نهاية القرن التاسع عشر تموج في بحر المنتج دون المنهج، إلا أن كثيرا من المنظرين سلطوا أفكارهم وأقلامهم عليها للتنبيه على شدة خطورتها على بناء المجتمعات وسهولة اجتثاثها إن اختل التوازن مع أول هبة ريح.

وهذا يقودنا إلى إشكالية أخرى أشد ضراوة وهي "الذهنية العربية" واختزال التاريخ، التي تتمثل في الوقوف بين حدين، بين ثقافة الموروث الشعبي وثقافة الوافد. هذان الحدان جعلا الذهنية العربية ذات مفهوم خاص، وهو اختزال التاريخ في شكل مفهوم فقط. فاختزل الموروث في شكل أيقونات؛ كالزي أو نمط حياة، كما في الحفاظ على فنجان القهوة، ولكن بشكل نمطي وأيقوني كجهاز صنع القهوة المستوفد، لكنه بالهال والعودة فلا ينم عن موروث إلا في رائحة "الهال" في فنجان صنع في الصين، وماكينة صنعت في اليابان، وعامل يصب القهوة من شرق آسيا، فأصبحت ثقافة الوافد تتخذ "ثقافة المنتج" دون اتخاذ ثقافة المنهج، والوقوف بين المُنتج والمنهج أمر حوّل التاريخ إلى نمط مختزل، وهنا تكمن الكارثة، التي ستتجلى تبعاتها لدى الأجيال القادمة، لأن ثقافتنا الآنية هي الثقافة الوافدة، هي الثقافة الاختزالية، والمتلخصة في صيحات الموضة "الفاشيون"! "الماركة"! والمنمقة فقط بشكل أيقوني بالتاريخ، لأننا لم نتخلص من إرثنا الذي اختزلناه في شكل أيقوني، ولذلك نستطيع أن نطلق عليها "ثقافة اختزال التاريخ"!

هذا الاختزال لم تنج منه المرأة بطبيعة الحال، لأن الرجل لم ينح نحو الوافد بشكل كامل وفي الوقت ذاته لا يطبق الموروث الشعبي بحذافيره فتستفحل المشكلة، وتقع المرأة في إشكالية الأيقونة نتاج الذهنية العربية المعاصرة، حيث إنها تظل حبيسة مفهوم" الحرمة" في عمق الرجل الوجداني والعقائدي، بالرغم من أنها تجوب أرجاء العالم وتتعاطى جميع الفنون والثقافات وتسهم في مشاريع علمية وأدبية وتتفوق على ذاتها وعلى بعض الرجال في بعض الأحيان، ثم نجده يقدر ذلك في نفس الوقت ويفتخر به ويعتز. هذا السياج أو" المفهوم" الذي كان يفرض حولها "الحرملك" إبان الحكم العثماني هو ما خلق تلك النظرة الباعثة دوما على التجاوز، فنرى أن الرجل العربي لا يزال ينظر إلى المرأة كجسد مهما بلغت في تقدمها، وفي وعيها، ولا ينظر إليها باعتبارها عالما متحركا له فلسفته وفكره وعلمه كمفهوم مغاير لمفهوم الجسد. هذا السياج وهذا المفهوم لم يكن موجوداً في موروثنا على الإطلاق.

المرأة كانت سيدة بكل المعاني، ويحترم الكل فيها ذلك الجسد المحرم على عيون متلصصة لم يوقظها سوى هذا المفهوم الناتج عن هذا الشق بواسطة بين الوافد والمستحدث، وتلك مشكلة جديدة في بنية الشخصية العربية المعاصرة!

إن مهندسي المعمار حين يبدؤون في إعمار مكان ما على أسس معمارية تقيه من التجريف والانهيار، يبدؤون في عمل مجسات للتربية واختبارها كي تشيد عليها أبنية تحيا مع الزمن، فإن كانت رمالاً تم العمل عليها وتجهيزها حتى تصبح صلدة كالصخور، حينها تكون صالحة للتشييد والبناء، فلا مكان للبناء على رمال متحركة.