في مؤتمر جنيف2، الذي سيعقد في الشهر القادم، برعاية روسية أميركية ومشاركة بعض الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة في مجريات الأحداث السورية، من أجل إيقاف نزيف الدم في الحرب الملتهبة هناك منذ عامين، يبرز السؤال التالي على المؤتمرين والراعين للمؤتمر: من له حق التحدث باسم الشعب السوري والتعبير عن إرادته وطموحاته؟ من سيحضر المؤتمر بالطبع، ليس منهم من انتخبه الشعب السوري ليتحدث باسمه؛ ولكن هم من فرضهم عليه الأمر الواقع مع كونهم جميعاً من الشعب السوري، من ممثلي الحكومة أو المعارضة المسلحة وممثلي المعارضة السلمية. أي أن قوى الأمر الواقع العسكرية والسياسية التي تسيطر وتتحكم بالداخل والخارج السوري هي من ستفرض نفسها على الشعب السوري كممثلة له ومعبرة عن طموحاته وإرادته.

إذاً فالشعب السوري بدوره لم يختر أحدا منهم ليمثله في "جنيف2" ويتحدث باسمه. ولكن في العرف الدولي هذه الحالة مقبولة من أجل حقن الدماء وإعادة السلام والأمن والاستقرار لبلد تستعر فيه الحرب وليس في الأفق مؤشر قريب لنهايتها، ليتم الاتفاق على صيغة خطة سلام يتم فيها الانتقال لمرحلة إعطاء الشعب السوري الحق في أن يقول كلمته ويعبر عن إرادته الحرة ويقرر مصيره من خلال صناديق الانتخابات، ليختار هو بنفسه من له الحق في تمثيله والتحدث باسمه والتعبير عن إرادته داخلياً وخارجياً.

في مؤتمر جنيف2 يجب أن يمنح الشعب السوري (الضحية)، الفرصة ليحاكم ويحكم على جلاده أو جلاديه من خلال صناديق الانتخابات؛ ويجب ألا يعطى أحد جلاديه الفرصة ليحاكم ويحكم على جلاده الآخر، بحجة أن الطرف الآخر ملطخة يده بدم الشعب السوري. الحرب لا تشن بين طرف واحد مسلح وطرف آخر أعزل، وتدوم لأكثر من سنتين، يقتل فيها عشرات الآلاف من الشعب السوري برصاص وصواريخ وسكاكين كلا الطرفين. إذاً فالدماء في الحروب لا تراق من قبل طرف واحد وبهذه الكمية المروعة ولكن بين طرفين يتقاتلان ويتناحران، وأطراف من ورائهما تساندهما وتمدهما بآلات الرعب والجزر والموت والتدمير.

من الممكن أن يقتل طرف واحد جزءا من شعبه ويميت منهم عددا كبيرا، ولكن يفعل ذلك خلال شهر واحد أو شهرين على أكثر تقدير، ويكون الطرف الجاني فيها مدججا بالسلاح، والطرف المجني عليه أعزل، وهذه لا تسمى حربا، وإنما تسمى مجزرة أو مجازر. أما أن يدوم القتل المتبادل بين طرفين مسلحين لسنتين وأكثر فهذه حرب، وفي الحرب يوجد طرفان مسلحان.

وبما أن ما يجري في سورية من قتل، هو عملية ذبح متبادل بين طرفين مسلحين، كلاهما من داخل سورية، ومن النسيج الاجتماعي السوري، وتسعرها تدخلات خارجية تشارك في عملية القتل والذبح، بجانب هذا الطرف أو ذاك؛ إذاً فما يجري في سورية ليس بحرب تقليدية، بل هي حرب أهلية بامتياز. ومن نتائج الحروب الأهلية المروعة سقوط ضحايا أبرياء كثر لا ذنب لهم، ولا ناقة لهم فيها ولا جمل، بل هي حروب فرقاء داخليين وخارجيين تدور رحاها في وسط مدنهم، وأحيائهم، وفي بعض الحالات في وسط بيوتهم ومتاجرهم وأماكن عباداتهم، وطرقهم وقراهم وحقولهم أيضاً؛ وهنا يسقط عشرات الآلاف من الضحايا المدنيين، بنيران كلا الطرفين. إذاً ففي الحروب الأهلية، تنتفي تهمة طرف فيها لآخر بأن يده ملطخة بالدماء دون غيره؛ فجميع الأطراف فيها أياديهم ملطخة بالدماء، بدون استثناء، إلا من لم يدخل طرفا في النزاع المسلح، ويسعى جاهداً لوقف نزيف الدم، من خلال البحث عن مخرج سلمي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من أشلاء وخرائب.

من يرفض عملية السعي لإيجاد حل سلمي للخروج من براثن الكارثة الإنسانية السورية، والتوصل لصيغة خطة سياسية تؤدي في النهاية إلى انتخابات حرة ونزيهة، لتكون صناديق الانتخابات هي الفيصل بين جميع الفرقاء؛ من يرفض ذلك بحجة أن هذا الفريق أو ذاك ملطخة يده بالدم السوري، ولذلك يجب استبعاده من فرصة ترشيح نفسه أو من يمثله في الانتخابات، فهو بالتأكيد يسعى للإفلات بجلده هو نفسه من حكم الشعب عليه، بأن يده هي الملطخة بدمه، وتبرئة الطرف الآخر المقابل له. أي أنه خائف من حكم الشعب عليه، من خلال صناديق الانتخابات؛ لأنه واثق بأن الشعب السوري يعرف أكثر من غيره من تلطخت يده بالدماء أكثر من غيره. أي بأن منع هذا الطرف أو ذاك من حق ترشيح نفسه أو من يمثله بالانتخابات الحرة والنزيهة التي ستجري في سورية هي عملية حرمان للشعب السوري، بعدم وضع جميع الفرقاء الذين تقاتلوا على أرضه وسفكوا دمه وباسمه، أمام مقصلته السلمية، وهي صناديق الانتخابات، ومن ثم عرضه على محاكم عدله الصارمة. وهو كذلك من يسعى لجزر إرادة الشعب السوري بعد أن جزر لحمه؛ بالفرض عليه عنوة بأن يختار من بين أحد فرقاء جلاديه، لتتم تبرئة البقية من فريقه.

الشعب السوري ليس بقاصر، ولذلك يجب إبعاد كل من يتاجر بدمه ويقبض ثمناً له، من الذين يضعون شروطا وعراقيل غير منطقية أمام عملية إيجاد حل ومخرج سلمي وسريع لمعاناته. ومن يضع العراقيل أمام الحل السلمي في مؤتمر جنيف2 القادم؛ فإنه بشروطه التعجيزية يعمل على إطالة أمد سفك دم الشعب السوري؛ ولذلك فهو آخر من يحق له التحدث باسمه ولو حتى مؤقتاً.

وبما أن ألمسألة، هي حرمان من تلطخت يده بالدم السوري من دخول الانتخابات الحرة والنزيهة التي يسعى المؤتمر لصياغتها، كجزء من الحل النهائي للكارثة الإنسانية السورية، فهنا يجب استبعاد كل فرد ساهم في إراقة الدم السوري، سواء من الحكومة، أو من المعارضة المسلحة، فجميع هؤلاء تلطخت أياديهم بالدم السوري، وبلا استثناء، والسماح فقط بدخول الانتخابات لرموز المعارضة السلمية، التي رفضت ـ وما زالت ـ حمل السلاح وتنادي دوماً بلغة الحوار، كسبيل أوحد لحل الأزمة السورية. أو فليسمح لجميع الفرقاء بدخول الانتخابات بدون استثناء أحد، والشعب السوري هو من سيقول كلمته الحرة ويستبعد بنفسه من يشاء من الفرقاء، ويبقي منهم من يشاء، من خلال صناديق الانتخابات، لأنه هو العليم أكثر من غيره بمن تلطخت يده بدمه.

حينها يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ونعلم بما لا يدع مجالا للشك، ليس فقط من تلطخت يده بالدم السوري؛ ولكن أيضاً من ولغ بلسانه وأسنانه شبقاً وتلذذًا بالدم السوري الطاهر.