ارتبطت كلمة ثقافة الحوار في الآونة الأخيرة بمدلولات مختلفة، كثقافة الإرهاب والعنف، وثقافة الكره، التي ثبت أنها نسفت بالمقابل معظم القيم التي تدعو إلى التسامح والمحبة ونبذ العنف والكراهية، من خلال تعزيز تطبيع المجتمع على الأفكار النمطية، التي تشكل تربة خصبة لنمو الكره، فإن هذا النهج من التفكير يعمل على اجتثاث مصادر التآلف والتعايش السلمي، ويمسخ مفاهيم التسامح الديني والفكري ويفرغها من مضمونها الحقيقي، ويتجاهل المعنى الوجودي لخلافة الإنسان في الأرض.

إن غسل الأدمغة هو أخطر ما يمكن أن يكون، إذ يسلب الإنسان الحرية في تقرير توجهه وسلوكه، ويجعله تابعا فاقد الفكر والرؤيا، منساقا بشكل اتباعي عبر تأجيج عواطفه الدينية. مثلما يحدث في قنوات الإعلام، التي تسوق لمفهوم خاص للدين وتبث أفكارا لأشخاص مضطربين ذوي أفكار متطرفة، تشكل خطرا على الناس. فبإمكان أي خطاب يرفع شعارا دينيا أن يؤثر على تشكيل وعي الغالبية التي لا تجيد غير التلقي بالتلقين. لقد شغلت الطائفية فكر الكثير من المصلحين الذين رأوا في تناميها وتعميقها ثقافيا أمرا يعزز قوة الأمة، فيما هو تعميق حقيقي للفجوة بين أبناء الأمة الواحدة.

إنني أدعو إلى قراءة كتاب "الكره أو اللاتسامح مع الآخر. منظور نفسي اجتماعي" للدكتور صالح بريك، الذي يعدّ من الكتب النادرة في مجاله، وفيه يشير إلى وجود ثلاثة مكونات للكره، الأول: "كره معرفي يتضمن تصنيفا اجتماعيا أو إلصاق "إتيكيتات" على شكل أفكار نمطية بفئات محدودة تدور في جوهرها حول الاشتباه والشك وعدم الثقة والنية السيئة. المكون الثاني: انفعالي يشتمل على مشاعر سلبية كالنفور والاشمئزاز والحسد والغيرة واللامبالاة والخوف. وعلى السواء يحدد الحب والكره لدى الفرد كيفية إدراكه للآخر وماهية توقعاته منه".

من هذا المنطلق يتبين وعلى مدى قرون مضت أن الثقافة تزداد استعارا عندما تحركها الكراهية، وتسير جنبا إلى جنب مع تعصب المجتمعات لمفهوم القبيلة أو الطائفة أو المذهب.

التسامح هو موقف فكري، وسلوك يتلخص في أن يترك لكل إنسان حرية التعبير عن آرائه في الوقت الذي لا يوافق عليها ولا يشارك فيها. لذلك فحرية الفكر هي واجب التسامح، وتحرير التدين من الكراهية واجب ديني وإنساني، والمناداة بالتسامح هي لمصلحة الدولة والمجتمع المدني. إن التسامح، أيا كان، دينيا أو مدنيا أو علمانيا، هو ضروري، بل إنه واجب لا بد من الأخذ به، في الظروف التي نعيشها، سواء أكان ذلك على المستوى المحلي الوطني أو على المستوى الفردي أو الثقافي، فإنه ينبغي بث ثقافة تحرير الأفراد من الكراهية، عندها فقط يبقى على البشرية ألا تضع على وجهها قناع التسامح بينما هي من الداخل تمتلئ بالكراهية ضد الآخر.