بعد نحو شهرين، يغادر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مكتبه الرئاسي ويسلم مفاتيحه للرئيس القادم. رغم كل التقديرات بأن الرئيس نجاد قد يسبب بعض المتاعب بسبب منع مساعده رحيم مشائي من الترشح للرئاسة، إلا أنه حافظ على هدوئه وصمته.

المرشحون الرئاسيون الثمانية لم يكن لديهم ما يقولون خلال مناظرتهم التفزيونية الأولى منذ أيام سوى مهاجمة الرئيس أحمدي نجاد؛ بسبب أدائه السيئ داخليا وخارجيا. القضايا الداخلية، التي تمت مناقشتها مرات ومرات من قبل جميع المرشحين، كانت تدور حول التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة. بالنسبة للقضايا الخارجية، هاجم جميع المرشحين – باستثناء سعيد جليلي - الدبلوماسية الإيرانية واتهموها بالضعف في مباحثاتها النووية مع مجموعة دول 5+1. جليلي دافع عن هذه السياسة؛ لأنه كان يقود فريق المفاوضات الإيرانية مدة 8 سنوات.

تحدث المرشحون عن ضرورة إيجاد حلول سريعة للاقتصاد الإيراني، والبحث عن حل يؤدي إلى رفع العقوبات الدولية باتباع دبلوماسية أفضل مع دول مجموعة 5+1 والدول الأخرى. لكن لم يجرؤ أحد من المرشحين على مناقشة الدعم الذي تعطيه إيران للرئيس السوري بشار الأسد وحزب الله اللبناني، ويبدو أن السياسة الحالية مع هاتين الجهتين ستستمر في المرحلة القادمة بغض النظر عن المرشح الفائز.

المرشح الدكتور علي أكبر ولايتي، أظهر مهارة وخبرة واسعة عندما كان يتحدث عن السياسة الخارجية لإيران. الدكتور ولايتي خدم كوزير خارجية للجمهورية الإسلامية لمدة 16 عاما، وبعد ذلك تولى منصب مستشار المرشد الأعلى علي خامنئي للشؤون الدولية، وهو معروف باتباع نهج سياسي معتدل.

السيد سعيد جليلي قال إنه ينوي أن يستأنف السياسة الخارجية الإيرانية، التي سماها "سياسة المقاومة". السيد جليلي قال إن الذين ينتقدون السياسة الخارجية الإيرانية يقولون إن "علينا أن نخفف التوتر. نحن لم نخلق التوتر لنقوم بتخفيضه الآن. لماذا يجب أن نفعل ذلك؟ أولئك الذين كانوا مسؤولين عن رفع حدة التوتر عليهم أن يخففوها الآن". من الواضح من كلام جليلي أن السياسة الخارجية الحالية، في إطارها العام على الأقل، لن تتغير في حال فاز في الانتخابات الرئاسية.

محمد باقر قاليباف، رئيس بلدية طهران الحالي وأحد قادة الحرس الثوري سابقا، يقدم نفسه دائما على أنه مدمن على العمل، وأنه إنسان شديد التواضع، حتى إنه لا يغير لهجته التي يتحدث فيها مع رجل الشارع عندما يتحدث في المحافل الرسمية. في أحد لقاءاته التلفزيونية، قال السيد قاليباف إن السياسة الخارجية لا يجب أن تتغير بمجرد تغير الرئيس. السياسة الخارجية الأميركية تستمر في إطارها العام دون تغيير، بغض النظر عن الرئيس المنتخب. وأضاف "ما نريد أن نحققه هو ما بني نظامنا عليه، يمكن تغيير أسلوب الدبلوماسية، ولكن أهدافها الخارجية يجب

ألا تتغير بشكل كامل مع تغير الرئيس".

من جانب آخر، يبدو أن الإعلام الإيراني المرئي والمسموع يتبع سياسة لا تسمح للمرشحين بالحديث مفصلا عن أنفسهم وسياساتهم وبرامجهم. كل ما يفعله المرشحون هو الإجابة على أسئلة محددة توجه إليهم من قبل مقدمي البرامج الحوارية. الوقت المخصص للبرنامج محدود ومقدم البرنامج يدير الحوار بطريقة لا تسمح دائما للمرشح بقول ما يريد الإيرانيون وبعض المشاهدين حتى من خارج إيران في الشارع أن يسمعوه. أسئلة مثل مدى الدعم الذي سيقدمه المرشح في حال فوزه للرئيس السوري بشار الأسد، وعما إذا كان مستعدا لفتح حوار مع الولايات المتحدة، وعن السياسة التي سيتبعها مع دول الجوار العربي لتحسين العلاقات معها، وغيرها من الأسئلة الهامة، لم يتم توجيهها لسماع الإجابة عليها رغم أهميتها بالنسبة للشارع الإيراني والإقليمي والدولي. الوقت يمر بسرعة، وأحد هؤلاء المرشحين الثمانية سيصبح الرئيس القادم للجمهورية الإسلامية، ومع ذلك فإن الشعب الإيراني والمجتمع الدولي ما يزالون يجهلون بعض النقاط الهامة والحساسة التي تتعلق بالرئيس القادم.

هناك احتمال بانسحاب بعض المرشحين قريبا لصالح مرشحين آخرين، لكنه ليس مؤكدا. فهل هذا يعني أن الانتخابات قد تذهب إلى جولة ثانية؟ البعض يعتقد أن هاشمي رفسنجاني يظهر مؤشرات بأنه قد يدعم أحد المرشحين حسن روحاني أو محمد عارف، لكن ذلك قد لا يحسم الأمر لصالح أي منهما بالضرورة. أنا أعتقد أن السيد أكبر هاشمي رفسنجاني لن يتدخل بشكل مباشر؛ لأن ذلك قد يكون له تأثير سلبي على عارف أو روحاني. من الواضح أن رفسنجاني يفضل روحاني لكنه قد يفضل البقاء بعيدا، وأن يتم ربط اسمه مع أي من المرشحين.

حسن روحاني يمتلك مفتاحا يفتح جميع البواب المغلقة، ومحسن رضائي لديه مقص. هكذا يصف هذان المرشحان نفسيهما عندما يتم الحديث عن السياسة الخارجية التي قد يتبعها كل منهما في حال فوزه في الانتخابات الرئاسية. رضائي قال إن لديه مقصا ذا حدين، أحدهما هو الاقتصاد، لكن يبدو أنه نسي أن يقول ما الحد الثاني عندما كان يتحدث على التلفزيون.

لكن اللافت أن الرئيس أحمدي نجاد تعرض للانتقاد من قبل جميع المرشحين، وألقى الجميع باللائمة عليه في فشل الدبلوماسية الإيرانية. لكن هذا الرئيس الذي يصوره المرشحون على أنه أساء للسياسة الخارجية الإيرانية والاقتصاد الإيراني قد يتحول إلى منقذ خلال سنوات أو أقل، وقد يتم اللجوء إليه للعودة إلى المسرح السياسي ومساعدة النظام.

قال لي طبيب إيراني ليبرالي يعمل في دبي، إن الناس سيفتقدون الرئيس محمود أحمدي نجاد كثيرا، وفي وقت قريب جدا.