في المدينة المنورة وطيبة الطيبة؛ مدينة سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودار نصرته، ومقام أمنه، ومأرز الإيمان وقت الأزمة؛ التم بداية الأسبوع الماضي شمل مجموعة من الباحثين والمهتمين احتفاءً بالدورة الخامسة لجائزة السيد أمين عبدالله مدني للبحث في تاريخ الجزيرة العربية، والتي رعاها سمو أمير منطقة المدينة المنورة؛ الأمير الدكتور فيصل بن سلمان بن عبدالعزيز، واستحق الفوز بها الأستاذ الدكتور عبدالله بن عقيل عنقاوي، أحد أوائل الأساتذة الجامعيين في مجال التاريخ بالمملكة.. الكتابة عن الجائزة وصاحبها، ومن فاز بها ليس المقال هذا هو مجال الخوض في ذكرها، ويكفيني ذكر أن الجائزة هي الجائزة الوحيدة الرسمية في المملكة، من حيث نسبتها إلى شخصية علمية محلية، وهذا تقدير كبير له قيمته الواضحة، ودلالته الظاهرة..

معرفة التاريخ بمعنى التحليل للأخبار الماضية، وليس مجرد الحفظ والسرد مكسب كبير؛ يقول الأديب النابغ مصطفى لطفي المنفلوطي، مؤلف (النظرات) و(العبرات) وغيرهما: "من يعرف التاريخ العام الذي سبق يضيف إلى عمره عدد سنوات ذلك التاريخ".. وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية البحث في الزمن الماضي، لأن التاريخ مصدر إلهام للإنسان، ودافع للانتصار للخير ومناهضة الشر، ولأنه كذلك مفيد من ناحية توسيع مدارك الناس وتعويدهم على الإنصاف في الحكم.. يقول المؤرخ الكبير عز الدين أبي الحسن الجزري الموصلي، المعروف بـ ابن الأثير الجزري، مؤلف (الكامل في التاريخ) و(أسد الغابة في معرفة الصحابة) و(اللباب في تهذيب الأسماء) وغيرها: ".. لقد رأيت جماعة ممن يدعي المعرفة والدراية، ويظن بنفسه التبحر في العلم والرواية، يحتقر التواريخ ويزدريها، ويعرض عنها ويلغيها، ظنا منه أن غاية فائدتها إنما هو القصص والأخبار، ونهاية معرفتها الأحاديث والأسمار؛ وهذه حال من اقتصر على القشر دون اللب نظره، وأصبح مخشلباً جوهره، ومن رزقه الله طبعا سليما، وهداه صراطا مستقيماً، علم أن فوائدها كثيرة، ومنافعها الدنيوية والأخروية جمة غزيرة..".

العلاقة بين التاريخ والفلسفة علاقة وثيقة، فالمؤرخ يحتاج إلى مناهج الفلسفة ونظرياتها لدراسة الأحداث التاريخية، وتمحيصها والتدقيق فيها، والفيلسوف يحتاج إلى دراسة أحداث الماضي والحاضر وقياسها، ومن يقرأ التاريخ يدرك أن العلماء في الماضي كانوا فلاسفة ومؤرخين في آن واحد.. فلسفة التاريخ تعني ـ عند خبراء التاريخ ـ "القيام بمراجعة التاريخ والتدقيق فيه، وإعادة كتابته بصورة جديدة تتناسب وتطور العلوم والمناهج، مع إعادة النظرة في تدريس التاريخ في المناهج التعليمية، بعيداً عن الحفظ والتلقين، حتى يتم التفاعل المطلوب، فالأحداث التاريخية تحتاج إلى الدراسة والتمحيص بعد التأكد من صحة المعلومات والمفردات التي تبنى عليها النتائج وإصدار الأحكام، إذ إن دراسة فلسفة التاريخ تستلزم دراسة تاريخية كاملة للمواقف والأحداث، تعتمد على التحليل والبحث الدقيق، وصولًا إلى وضع مناهج نموذجية متطورة يستنار بها في الحاضر والمستقبل، وهو ما يتطلب تدريس فلسفة التاريخ كمادة أساسية لطلاب الجامعات، لما فيها من توسيع أفق الطالب وتثقيفه وتحفيزه لدراسة نظريات فلسفة التاريخ".. أخيرًا لا بد أن أنوه إلى أن الخوض في دراسة التاريخ ليس دعوة إلى التعصب المقيت، ولكنه انطلاق للفكر في الأجواء الفسيحة، فكلما تمعن الفكر في التاريخ بعد صاحبه عن الانكفاء والانكماش، وقرب من الفهم الصحيح لمجريات الأمور.. شكري الكبير للقائمين على الجائزة، ودعواتي للمقدرين بالتوفيق، والملتقى بحول الله عام 1436 والجميع بخير.