يسعى لمصادرة الحلم الرحب، وقتل الصوت المبهج، كي لا يترك مساحة للحب والحياة، نسي الطاغية أن مهمة الشاعر قلع شوك البساتين، وفتح بوابة الشمس وطحن قمح "البيوت" ليصنع منها خبزا وسنابل يطهوها في صحن روحه "لماذا يظن الطغاة الصغار وتشحب ألوانهم أن موت المناضل موت القضية. أعلم سر احتكام الطغاة إلى البندقية لا خائفا. إن صوتي مشنقة للطغاة جميعا ولا نادما. إن روحي مثقلة بالغضب. كل طاغية صنم دمية من خشب"، هكذا صرخ محمد الفيتوري ذات يوم، وكأنه يشير إلى الدمية المستبدة "بشار" وهو يعلق أوسمة الموت فوق صدور المناضلين، وهم يمضون كالعواصف والأعاصير يجوبون الآفاق، ويقتلعون بذور الانكسار، ويكنسون القراصنة والجلادين، ظن ذلك الوجه الكالح أنه بقتله الشاعر السوري محمد المصري سوف يقتل العواطف الخضراء، والمواسم الممرعة وأنفاس الضحى البهي، ويدفن الريحان المترنح فوق الشفاه، ويشعل الجمر في شراشف الصباحات وعصافير الشجر، ظن ذلك المسخ أنه باستباحته دم المصري سوف يصلب رعشات الجمال ويحبس الماء خلف ينابيعه، ويخنق هديل الريح لكي لا تدخل نافذة الغد وتغمر أقصى الحقول بالضوء والأزهار، الشاعر رغم رحيله "ما يزال في منتصف الطريق بين الموت والقصيدة يشير نحو الوردة البعيدة" لقد قضى ومات محمد وليد المصري تحت أنقاض منزله في قرية "القصير" إثر غارة شنها الطيران السوري على البلدة المنكوبة، وفي رواية أخرى اغتيل على يد عناصر من الشبيحة، وكان يرأس فرع اتحاد الكتاب العرب في حمص، له عدة دواوين منها "سلمون" و"تناسخ" يقول في قصيدة "عشبة في المدى" وكأنه يتنبأ بموته الذي يشبه موت الأيائل والأقحوان: "يوشك العمر أن ينتهي – والبلاد احتواء المجازر والمقبرة – إنها الروح تخبو وتضحك لا ترحلي – طالما العشق يومئ خلف المسافات حلم سيأتي وعش ـ يقال لأغنية ما انتهت ـ نام فيها المساء ـ الصدى قبرة ـ افتحي الباب قد ينده الحلم أحبابه، الحلم يكفر بالعابثين ويعرف من زوره ـ افتحي الباب إن الرصاصة تعرف وجه القتيل وعمر القتيل ـ وتعرف من أضرم النار أو غير المقبرة" هكذا في حضرة الشعر يرتجف الطغاة في دمشق، وهو يعري صرخة الإثم ويفضح فحيح الأفاعي، ويمزق جسد الظلماء ويكتب بنزف الدم الآدمي المنسكب كالنواعير، هذا هو الشعر يحثو التراب في الوجوه الخائنة، وحاملة اللهب والموت والدمار، وهي تجوب الديار كالتنين توزع العذاب والوحشة والقهر والخراب وأعواد المشانق، لأنها تدرك أنها إلى زوال.