ما أكثر الإجابات المسطورة في صحف القواميس والمعاجم، لكن لا أظن أن منها إجابة تستحق أن تكتب وتذاع في يومنا هذا!، فاستفهام الدلالة عندما يطرح على فلسفة من منظور ما، ينبغي أن يتحول من السؤال عن معنى تلك الفلسفة كمذهب إلى معناها كمنهج؛ فبين المصطلح مذهبا ومنهجا أمور محيرة، تجعل ثقافتنا وبالتالي ممارساتنا تسير في اتجاهات غير ذات مسار، مما يحمل الموضوع على غير محموله. فنشاهد تبادل الأدوار، وإطلاق العنان للأفكار والمقولات والأفعال، كل يلعب دور صاحبه دون أي مراعاة لخاصية الخصوصية المعرفية والعلمية وكذلك الحرية. وإذا تحدث أحدنا قذف من فمه عبارات تبهر السامعين وتجلجل الأسماع، فتدور الرؤوس، دون الوقوف على حقيقة أي منها فلا شيء غير الكلمات!.

المعرفة والعلم وجهان لعملة واحدة، إلا أن كليهما يختلفان في منظومتهما الفكرية بقدر التقائهما في نقطة واحدة!" ويمكن تحديد موقع الفلسفة بالنسبة إلى العلم - إبان تحديد مصطلح المعرفة على أعتاب القرن التاسع عشر بأنه العودة إلى الماضِى - بأن المعرفة الفلسفية اعترفت بمكان شرعي للعلم دونما جدال "إلا أنه اعترى ذلك شيء من الشك مع ازدهار العلوم التجريبية حتى وصلت معه نظرية المعرفة إلى وعي بذاتها، وبالتالي دخلت في بعدها الخاص حتى أصبحت المعرفة العقلية تتخذ موقعا مستقلا مقابل العلم.

فالمعرفة هي أوسع وأشمل من العلم، وإن كانت ترتكز هي ذاتها عليه في بعض محاورها، فالمعرفة دائما تتجلي في القدرات والموهبة وتجلي مقومات الفكر الخلاق القادر على الإبداع والابتكار، بينما العلم هو نتاج تحصيل علمي مهما توسعت مداركه ومهما أخذ في التدرج والارتقاء!.

ومما يجتاح مفاهيمنا المعاصرة، هو ذلك الخلط بين مفهوم المعرفة وبين مفهوم العلم والتعلم؛ لأن العلم يعتمد على التحصيل والمعرفة تعتمد على القدرات كما أسلفنا، وبالتالي وجب الفصل بين المفهومين؛ كي نستطيع الإفادة من كليهما حسب مقتضى الحال.

ولم يقتصر هذا الخلط بين المفهومين على ذلك، وإنما امتزج معهما في البوتقة ذاتها مفهوم الحرية، مما تسبب في كثير من المشكلات في ثقافتنا وممارساتنا المعاصرة!، ولم يكن هذا الخلط مفتعلا أو مقحما، وإنما نبع في حقيقة الأمر من تماس مفهوم المعرفة مع مفهوم الحرية على أعتاب القرن التاسع عشر، إذ كانت المعرفة في ذلك الوقت مرتبطة بنظرة فلسفية بالميتافيزيقا، إلا أن الإنسان المعاصر قد أصبح أقدر من غيره على تعرف علاقة الحرية والواقع الاجتماعي وصلتها بالتاريخ السياسي، ومن ثم فإنه أصبح يفصل مشكلة الحرية بطابعها الميتافيزيقي عن مشكلة الحرية بطابعها السياسي والمجتمعي والدولي، ولهذا وجب علينا تبين أولى درجات الرؤية لمفهوم الحرية السياسية دون الدخول في تفاصيل الصراع الفلسفي المعاصر بين المذاهب الأيدلوجية.

إن مسألة الخلط بين مفهوم الحرية والمعرفة أمر تجاوز زمنه على خلاف المعرفة والعلم اللذين لم يتجاوزا ذلك التماهي المشوب بالقطعية المطلقة في ذلك التماهي حتى يومنا هذا!.

إن كلا من العلم والحرية والمعرفة لكل منهم شأن يدور في فلكه وفي دوائر متماسة غير متقاطعة بالرغم من هذا التماس. والمعرفة مضنية مقلقة باعثة على التأمل والإبداع لاعتمادها على القدرات الخاصة، فيقول يورجن هابرماس: "إنها تُدخل نور العالم إلى الذات متوسطا من خلاله" فهي ذلك النور الذهني المنبثق من غياهب قدرات لا تستسلم إلا لذويها من البشر، ممن يمن الله به على خاصته لإنارة العالم. وفي ثقافتنا المعاصرة ـ خاصة في فهم العامة ـ أن كل من تحصل على علم أو عدة علوم أصبح يحمل شعلة المعرفة! وهناك فرق كبير بين كلا المفهومين، وهذا يذكرني ببعض الأبيات من قصيدة "يالمعرفة" للشاعر خالد الفيصل حين قال:

"يالمعرفه يـاما سعـيت

ادّورك وانت شرود

ثم يسرد الشاعر معاناته بالبحث في شتى البقاع للحصول عليها حتى يقول:

"وازور واحات القلم

عند العجم والعاربـه

عوّدت لـلحرف وقريت

أبـي مـن الكلمه ردود

لقيت كُتّاب الفـلاة

تطـرد نيـاقٍ هاربـة".

إذا هي لا تنيخ ركابها لكل من حصد علوم الدنيا بقدر ما تأتي طوعا إلى من مَنَّ الله عليه بها وأعطاه مفاتيح خزانتها.

فالعلم والحرية والمعرفة لكل منها شأن يعنيه، بالرغم من ذاك الرابط الوثيق بينها. وللأسف تقع ثقافتنا اليوم تحت نير ذلك الخلط بين استعمال مفهوم يطغى على الآخر في زمن نحتاج فيه إلى فهم المصطلح وفهم استعماله في مكانه الصحيح، وفهم استعماله بالشكل الذي يثري الرأي والثقافة وبالتالي المجتمع؛ كي لا يختلط الماء باللبن ونشرب ما كان البدو يطلقون عليه "الشنين".

فماذا تعني الحرية اليوم وفي أي مكان نضعها، وفي أي إناء نصبها؟! في زمن نراه يتقلب دون رداء، وما أحوجنا للفصل بين هذا وذلك. يقول زكريا إبراهيم في كتابه "مشكلة الحرية: "استحالة حل مشكلة الحرية حلا عقليا ـ ارتباط الحرية بالوعي بالحرية ـ الاختلاف على طبيعة الدور الذي تؤديه الحرية البشرية ومداه ـ دور الحرية في خلق الذات وإدخال القيمة في العالم ـ الحرية تعني القبول ـ الحرية كسب يمكن أن نفقده ـ الحرية توازن بين الروحية المطلقة والمادية المطلقة ـ الحرية بالعمل يمكن أن تقضي على ما يسمى بالطبيعة المحضة ـ الحرية والقلق ـ الحرية مهمة إبداعية دائمة". ومن هنا ندرك ذلك الفرق الكبير بين الحرية والتحرر وبين الحرية والفوضى.