-1-
من المعلوم، أن العالم العربي عاش بعد نيل الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين، وهم الأمة العظيمة المنتصرة والقادرة على صُنع التاريخ، بعد رحيل الاستعمار، الذي قيل إنه كان السبب في عدم إتاحة الفرصة لهذه الأمة لأن تلعب الدور التاريخي والحضاري المناط بها.
ولكن الذي تبين فيما بعد، وبعد رحيل الاستعمار، أن هذه الأمة كانت ضعيفة بإمكاناتها العلمية، والثقافية، والاقتصادية، والعسكرية، وعاجزة عن إحراز أي نصر في أي مجال من المجالات.
وفي ظل التعتيم الإعلامي، وفي ظل غياب المجتمع الفاقد لأي نوع من المعلومات والإحصائيات، ما عدا تلك المعلومات والإحصائيات الكاذبة التي تطلقها الدوائر الرسمية لبعض الحكومات العربية لأغراض سياسية خاصة، ظل المجتمع العربي يعيش في وهم كبير.
-2-
لقد عاش العالم العربي وهم أنه قادر على تحقيق الوحدة بعد رحيل الاستعمار، فتبين أن العالم العربي خاض خلال النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من عشرين تجربة وحدوية باءت كلها بالفشل لأسباب مختلفة، على رأسها الوهم الأكبر بالقدرة على تحقيق الوحدة.
كما عاش العالم العربي وهم أنه قادر على تحقيق الحرية بعد رحيل الاستعمار، فتبين أن العالم العربي قد تمَّ حكمه من قبل بعض الزمر الدكتاتورية، كانت أكثر بلاءً على الشعب العربي من حكم المستعمرين، إلى درجة أننا بتنا نترحم على الاستعمار، وأيامه، وإنجازاته، ويود بعضنا في دول عربية أن يعود هذا الاستعمار.
-3-
وهناك وهم آخر عاشه العالم العربي، وهو وهم أنه قادر على تحقيق الاشتراكية بعد رحيل الاستعمار، فتبين أن العالم العربي، بعد رحيل الاستعمار، قد غرق في نظام رأسمالية الدولة التي تولّت البيع والشراء، بدءاً من طبق الفول وساندويتشات الفلافل وانتهاءً بالثلاجات والغسالات والسيارات والبيوت. فدبَّ الفساد في الصناعة والتجارة، وأصبح (القطاع العام) مثالاً مضحكاً ومبكياً لهذا الفساد والفشل الاقتصادي.
فغرق العالم العربي في الديون (أكثر من ثلاثمائة مليار دولار)، بعد أن كانت دولة عظمى كبريطانيا مدينة لبلد كمصر قبل 1952 بخمسمائة مليون جنيه إسترليني، أثمان أقطان وبضائع، لم تسدد. وأصبحت مصر تستورد ثمانين بالمائة من مواد صنع الفلافل، كما صرّح وزير التموين المصري في تلك الأيام!
-4-
ومن ناحية أخرى، عاش العالم العربي وهم أنه قادر على تحقيق النصر على إسرائيل، وإعادة الحق الفلسطيني لأصحابه بعد رحيل الاستعمار. فتبين أن العالم العربي بعد رحيل الاستعمار غير قادر على النصر في معركة واحدة، أو في جزء منها، رغم خوضه ثلاث حروب رئيسية، وعشرات الحروب الجانبية. وبأن النصف الأول من القرن العشرين قد شهد ضياع ربع فلسطين، في حين أن العرب، بعد الاستقلال، أضاعوا أكثر من الـ"ثلاثة أرباع" الباقية، كما نرى الآن.
وعاش العرب وهم النصر في معارك خاسرة خاضوها. وما زلنا حتى الآن لم نعترف بالهزائم التي مُنينا بها. فما زلنا نطلق على الهزيمة المنكرة في 1967 "النكسة"، موهمين أنفسنا بأننا لم نهزم وإنما انتكسنا. كذلك فعلنا قبل ذلك في حرب السويس 1956.
-5-
والمحزن فعلاً، أن العالم العربي، عاش وهم أنه قادر على استغلال ثرواته الطبيعية أحسن استغلال بعد رحيل الاستعمار، فتبين أن العالم العربي بعد رحيل الاستعمار وظهوره بمظهر الغني نتيجة للثروات الطبيعية التي تدفقت عليها في السبعينات وما بعدها، قد عاد فجأة إلى سابق فقره بسبب سوء إدارة المال والنزيف الاستهلاكي الحاد، وانفجار القنبلة السكانية، وتفشي البطالة، وانتعاش سوق الإرهاب المدفوع الثمن بالذهب الأصفر الرنان.
-6-
وأخيراً، ظل الوهم سيّد المشهد العربي العجائبي.
ظل الوهم هو الذي يتيح لنا النوم في الخدر اللذيذ، إلى أن انفجرت ثورة المعلومات، وفضحت الطابق العربي والوضع العربي، وتمَّ تصنيف جزء كبير من العالم العربي في كافة المجالات في قاع قائمة سكان الكرة الأرضية، كما قال لنا تقريرا الأمم المتحدة للتنمية البشرية عام 2002، 2003، وأصيب العالم العربي بصدمة العيش في الوهم الكاذب.
وفي الأسبوع القادم - إن شاء الله – سنعرف كيف نشأت التراجيديا العراقية الحالية، من خلال هذه الأوهام.