جرت العادة على أن استخدام مصطلح "المنطقة" يعنى به منطقة الشرق الأوسط، التي تضم الدول العربية بالإضافة إلى إيران وتركيا.

هذه المنطقة هي محور النزاعات والحروب والتوترات منذ آلاف السنين؛ وذلك نتيجة لثرائها الطبيعي والجغرافي والثقافي.

وبعيداً عن السرد التاريخي للأحداث الجسام التي مرت بها، أصبح من البديهي القول إننا نعيش اليوم أخطر مرحلة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، لا سيما بعد اندلاع الثورة السورية التي شهدت تدخلاً مباشراً من قبل روسيا وإيران و"حزب الله"، ولم تشهد أي تقدم في الحلول المطروحة في ثورة الشعب السوري ضد النظام السياسي، رغم المبادرات والمؤتمرات حيث دخلت هذه الأزمة المعقدة عامها الثالث.

ولو عدنا إلى الوراء قليلاً لوجدنا أن المنطقة شهدت قبل عدة سنوات تغيرات جذرية، تمثلت بغزو القوات الأميركية للعراق دون قرار أممي، مكتفية ببعض الحلفاء، وكانت النتيجة إسقاط حكم صدام حسين في العراق ثم محاكمته وشنقه. وقد دخلت العراق جراء ذلك في فوضى سياسية واجتماعية واقتصادية لم تقم منها حتى الآن حيث انتشرت الاغتيالات والخلافات وتصفية الحسابات في ظل تفرد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وحزبه بالحكم وإضعاف بعض المعارضين وكسر شوكتهم بتهم خطيرة كالإرهاب والخيانة الوطنية وغير ذلك.

لم تكن المنطقة مستعدة لأي تغيرات أخرى عدا الإرهاب، وقد حصلت حادثتان مدويتان كادتا أن تعصفان ببلدين كل على حدة: الحدث الأول هو اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في انفجار كبير اتهم فيه النظام السوري، وبعض عناصر حزب الله اللبناني (الذراع العسكري لإيران في المنطقة)، وقد استمرت تداعيات الاغتيال حوالي خمس سنوات من الشد والجذب والأخذ والرد، ولم يسفر ذلك عن إضعاف النظام السوري المتهم الرئيس في القضية والذي صدرت بحقه قرارات ومذكرات إيقاف دولية.

أما الحدث الثاني فهو ما عرف في إيران بـ"الثورة الخضراء" التي كادت أن تصبح ربيعاً فارسياً لولا قمعها بعنف من قبل أجهزة الدولة التي كانت متيقظة لها جداً رغم أنها لم تتوقعها أبداً، بعد فوز المرشح الإصلاحي مير موسوي في الانتخابات، وما تلاه من صرامة أجهضت فوزه وأعادت ترشيح محمود أحمدي نجاد لولاية ثانية.

كنت وما زلت أقول إن الربيع العربي بدأت ارهاصاته من إيران في تلك الثورة، حيث إن ثورة تونس في 14 يناير 2011 كانت مشابهة في أحداثها مختلفة في أسبابها ونتائجها التي انتهت بهروب الرئيس المستبد، وما تبع ذلك من نجاح للثورة المصرية التي انطلقت يوم 25 يناير 2011 وما تلاها من ثورات غير متوقعة في ليبيا، واليمن، ثم سورية التي أصبحت عقدة في المنشار حيث لم يحسم الثوار نتيجتها لصالحهم لسببين: الأول هو وقوف الجيش العربي السوري إلى جانب النظام ضد الشعب - ووجود الكثير من الانشقاقات داخله - أما السبب الثاني فهو عدم وجود دولي في ظل معارضة روسية صينية لسقوط رأس النظام السوري.

لقد توقفت الأحداث عند سورية، فمنذ عامين والشعب السوري يسام سوء العذاب من قبل النظام وحلفائه من إيران وحزب الله. وقد انكشفت أخيراً أكذوبة حزب الله في المقاومة بدخول آلاف من عناصره إلى سورية وإعلان أمينه العام حسن نصرالله ذلك خلال ما عرف بمعركة "القصير".

لم يقف الأمر عند هذا الحد بل نجح النظام السوري في ظل الدعم الإيراني والرعاية الروسية بتحويل الثورة السورية إلى حرب طائفية شهدت دخول عناصر شيعية من إيران والعراق وسورية ولبنان بذريعة الدفاع عن المراقد المقدسة!

هذا التصعيد الأهوج قابله ردة فعل في الدول العربية والإسلامية تجاوزت الاستنكار إلى "إعلان الجهاد" من قبل منظمات وهيئات دينية سنية اجتمعت مؤخراً في القاهرة.. وهنا الخطر الحقيقي القادم: الحرب الطائفية.

من يعتقد أنه سينتصر في هذه الحرب فهو مخطئ، وللمسلمين - سنة وشيعة - أن يراجعوا تاريخ الحروب الدينية في أوروبا إن كانت لهم عقول تعي، فقد استمرت الحروب الدينية في أوروبا لأكثر من 130 عاماً في دول ومناطق متفرقة، سويسرا، فرنسا، ألمانيا، النمسا، بوهيميا، هولندا، إنجلترا، سكوتلندا، إيرلندا، الدنمارك.

قد تدرك الشعوب متأخراً أنها ستتحول إلى وقود للحرب في مثل هذه الحالة، وتعلم أيضا أن دوافع الحروب وأسبابها ليست نقية دائما إذ يدخل فيها العامل السياسي والاقتصادي ليجرد الحروب من صبغتها المقدسة إذا ما أريد لها أن تكون كذلك.

ولنرسم السيناريو المخيف ثم نضع بعده علامة استفهام صغيرة: إذا أصبحت المنطقة السورية ميداناً لصراع شيعي سني طويل، فأين ستكون إسرائيل من هذا الصراع؟ هل ستكون في مأمن؟ أم أنها ستنقض هي الأخرى لتصيب نصيبها من الكعكة؟ العقل يقول إن من يرسم خطة الحرب اليوم بأصوات الرصاص لا بد له من رصاصة طائشة قد تقتل المتفرجين.. كما أن هنالك أمرا آخر يجب أن نضعه في الحسبان دائماً، وهو أن الكراهية لن تمتد إلى الأبد، وأن العالم عرف قيمة السلام وثمن السلام، ومهما كانت ردود الفعل عنيفة على فعل ما فإن العودة للسلام حتمية، وقد قال شاعر العرب وحكيمها زهير بن أبي سُلمى:

وما الحـربُ إِلا ما علِمتمْ وذُقتـمُ.