يقول جورج برنارد شو: "هناك أناس يصنعون الأحداث، وهناك أناس يتأثرون بما يحدث، وهناك أناس لا يدرون ماذا يحدث! إن ما يفرق بين الإنسان الناجح والفاشل ليس الإمكانيات، ولكن القدرة على استخدام هذه الإمكانيات، والقدرة على الاستعداد لتلقي الفرص".

لب القصة تحديدا ليس بين هؤلاء أو هؤلاء نقع، بل في خارطتنا الذهنية الكامنة في الحقائق على أرض الواقع لتبرهن ما سُمي في عصرنا الحديث (الخصوصية) السعودية، وأن السعودي اليوم هو خصوصية فقط، تسيّره مع ذاته ومع مجتمعه! فعندما تتخيل وتصنف أيامنا وشهورنا ومناسباتنا لا يمكنك سوى إدراك تناقض بين المبادئ والمواثيق، والزمان والمكان وفلسفتهما، تبدأ أعمارنا وتنتهي وهي موسومة بالبَرَكة وتغلغلها في حياتنا التي هي جزء من (خصوصيتنا) في كل اتجاه اجتماعي وتربوي وديني، حتى إن وجدت حوارا يجمع اثنين - مهما يكونا - فالخصوصية ثالثهما بين مخارج الحروف وخلايا الدماغ وحشرجة الصوت!

لن أتجاوز خصوصيتنا اليوم سوى بين دفتي الإجازات السنوية وشهر الخير رمضان المبارك، ففي الغلاف الأول، إجازاتنا نبدأها استقبالاً كهمٍّ سنويّ وضيف ثقيل لا يطيقه الكثير، بل عناء ومسؤوليات إضافية بأعباء تربوية واقتصادية واجتماعية...!

فأضفنا للإجازة خصوصية (الشكوى) بوقعٍ له اختلافاته كل عام، آباءٌ متذمرون بين ليتها لم تأتِ؟ ولو كانت المدرسة مفتوحة لكنا مرتاحين! وأبناء تأزَّروا خلسةً الخلاص من أسوار المدارس بأوامرها ونواهيها وانتهاءً بتمزيق كتبها بنشوة أفراح آخر يوم بعد أداء الاختبارات، المهم هو المتنفس والتنفيس وكيفما اتفق!

ومن ثم تبدأ الإجازة بـ(ميكنة) متكررة باختلاف المكان وفي نفس الزمان، إن كان في المنازل أو بين ربوع بلادي أو حتى على الشانزليزيه والسوليدير وماربيا إلى ماويفي في الهاواي ونفس الطقوس الزمانية والمكانية وتبعاتها، والمحصلة إجازة تخلو من التخطيط وشحذ النفس وكيفية استشعار قيمة الإنسان وأهمية وقته وفكره واستقطاع وقت لمراجعة النفس للإنجاز وتقدير الذات.

أما الغلاف الآخر رمضان المبارك فأكثر إيلاما لخصوصيته الأخرى بين (الفوضى) والاستنفار الحقيقي بِسِمات متكررة كل عام تفوح منها نكهات خاصة وطقوس مترنحة جعلت منه استمرارا لممارسة أخطائنا بكل وضوح. فبدايته إلى وداعه ونحن في حالات هستيرية، وعشوائية في العادات والطقوس تبدأ بشراءٍ وتبذير دون حدود تجهيزاً لأكلات لاحدود لها من الأصناف والمسميات وكأنه شهر للبطون فقط، ثم تلحق بركب (كتيبة) الفضائيات التي جعلت من رمضان مرتعاً حوليٌّا لتنافسٍ شرهٍ حتى الإغراق أصبح فيها شهراً له تفرده الخاص وحالة اعتكاف تلفزيونية سنوية ببرامج ومسلسلات ومسابقات سطحية وسهرات ليل ياعين، وبرامج دينية مقتصرة على فتاوى مكررة في بيان الحلال والحرام مغفلة الجوانب التربوية ومعالجتها بطرق مشوقة وجاذبة، وإعلانات تسبقها أشهر استعدادا لاستنزاف جيوب وعقول عباد الله، والتي لو صُرفت على فقرائنا لما بقي منهم أحد!

في نهار رمضان ازدحام تكتظ به النفوس والقلوب، وحالات من النرفزة عالية (الكوليسترول) بشتمٍ ولعن وتضجّر وضيقة صدر، يتنافس و(يجاهد) فيه المسلمون على حبة (تميس) وصحن فول!

ولياليه جلسات متسمرة في المقاهي والاستراحات في أجواء ضبابية تتأرجح دخاناً كثيفاً، ممارسات خاطئة كثيرة أبعدتنا عن روحانياته وجعلنا لرمضان بها استثناءً، وفي الجزئيتين لا تكمن مكامن خصوصيتنا فحسب بل قمة تبعاتها دينياً واجتماعياً واقتصادياً.

رسمنا لكثير من حياتنا طقوساً غدت عادات وممارسات خاطئة انعكست تربوياً علينا وعلى فكرنا وأبنائنا ونظرتهم التي انعكست قسراً منا عليهم، ولاوعي يستقبلون به حياتهم كيفما اتفق ضمن لائحة (الخصوصية) وقائمتها المتسعة!

القضية تبدأ من غرس التخطيط فلم نتعلمه ولم نزل بدءاً من منازلنا ومدارسنا ومناهجنا التي هي جزماً أساس الحلول وأصولها فمن واجبها ووعيها الإدراكي تكثيف القيم والرسائل الراقية بتخطيط واضح لمتطلّبات الإنسان إن كان على صعيد المدرسة أو الأسرة أو المجتمع فأي عمل يُبنى دون رؤية مضيعة للبشرية.

يقول أشهر لاعبي الجولف في تاريخ الرياضة جاك نيكلوس: "إنني لا أضرب ضربة أبداً - حتى في التمرين- دون أن تكون في ذهني لها صورة واضحة مركزة.

أولاً: أتخيل رؤية الكرة حيث أريد أن تصل، بيضاء وجميلة ومستقرة بعيداً على العشب الأخضر اللامع، وبعد ذلك، يتغير المشهد سريعاً، وأرى الكرة وهي تذهب إلى حيث أريد: أتخيل مسارها، والمنحنى الذي تتخذه، وشكلها، وحتى طريقة هبوطها. بعد ذلك يكون هناك نوع من الخفوت والتحول إلى المشهد التالي الذي أرى فيه نفسي وأنا أقوم بأرجحة المضرب بالشكل الذي سيحول الصور السابقة إلى عالم الحقيقة".